مقال| حين يُزهِرُ الضباب.. وتنتظر التجربة أن تُكتمل

د. قاسم بن محمد الصالحي

في كل عام، حين تتقدّم السحب من بحر العرب بخجلها الرطب، وتغزل الضباب خيوطه فوق رؤوس نخيل النارجيل، تستعد صلالة لقصيدتها السنوية. خريفٌ لا يشبه الفصول، ينبت من الأرض كما ينبت الشعر من القلب، وتُكتب فيه عمان بلونٍ آخر. لكن في هذا الجمال المترامي، ثمة ما لا يُرى بالعين، بل يُحسّ في التجربة.

فالزائر، حين يهبط على أرض الخُضرة والندى، لا يبحث عن المشهد فحسب، بل عن شعورٍ بالانتماء العابر، عن ابتسامة لا تُعلَّب، وعن خدمة لا تُنتزع من السياق كأنها فضلٌ لا واجب. وحين يتحوّل هذا الزائر إلى شاهدٍ على عثرات صغيرة -في مطار مزدحم بلا تنسيق، أو شارع بلا إرشاد، أو فعالية مكررة بلا روح- يبدأ الجمال بالتآكل الصامت. لا لأن الخريف أقل سحرا، بل لأن التجربة لم تُكتمل كما تمنّى.

صلالة لا ينقصها المطر، بل ربما ينقصها قليل من الإصغاء، ذاك الإصغاء الذي لا يُدوَّن في دفاتر الملاحظات، بل يُترجم إلى فعلٍ صادق، إلى تحية تُقال بلغات العالم، إلى تطبيق يُجيب عن الأسئلة قبل أن تُطرح، إلى فعالية تُقام لا لأنها معتادة، بل لأنها مدهشة، في خريف ظفار القادم، هل نجرؤ أن نحلم بتجربة متكاملة؟.

ليس بالتوسعة فقط، بل بالحكمة، ليس بكثرة الوعود، بل بجمال التفاصيل. أن يبدأ الخريف من المطار لا من السماء، أن يجد الزائر من يرشده قبل أن يسأل، أن يتنقل بين الفعاليات كما يتنقل بين فقرات أغنية لا يملّها.

إن الزائر ليس سائحا فحسب.، بل مرآة؛ وما تعكسه هذه المرآة لا يُعدَّل بالمنشورات الترويجية، بل بما يُصنع في الميدان، في الطرقات، في نظافة المواقع، في كفاءة من يستقبله، وفي صدق من يودّعه، خريف ظفار هو وعدٌ يتكرّر؛ فهل نُجيد الوفاء به في كل مرة؟.

ذاك هو السؤال الذي لا يُطرح في الاجتماعات، بل تُجيب عنه الأقدام التي تعود، والقلوب التي تكتب، والعيون التي تلتقط صورا لا تُنسى، وفي خريف هذا العام، ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف السؤال.

هل نكتفي بالمشهد؟. أم نبني التجربة؟، كما قال أحد أسلافنا، “ليس الجمال أن ترى، بل أن يُحسّ بك ما رأيت”، وصلالة، في خريفها، تراك، فهل تراها كما يجب؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*