يكتبه: آمنة بنت محمد البلوشية|
في زمنٍ لم تكن الصورة قد أخذت كل شيء، وكان الصوت ملكا لا يُنازع، وُلدت في عُمان موهبة بصمت. في أحد أروقة الإذاعة، حيث كل شيء يبدأ بالسكوت، دخل محمود بن عبيد الحسني يحمل حبه للفن كما يحمل العاشق أول نغمةٍ سمعها في الطفولة. لم يكن يبحث عن شهرة، بل عن أثر. عن لحظة صادقة تُلامس قلب المستمع، وتُشعل في داخله ضوءًا لا يُرى.
منذ الثمانينيات، صار اسمه مألوفا في كواليس الإذاعة العُمانية، لا بسبب ضجيجه، بل بسبب صوته الذي يشبه الهمس حين يُوجّه، ويشبه الحكاية حين يكتب. كتب نصوصا درامية من طراز نادر، فيها من الحكمة، والدهشة، والدفء، ما يجعلها تُعاد وتُروى حتى بعد عقود. لم تكن قصصه فقط من نسج الخيال، بل كانت من نسيج الناس… من تفاصيل البيوت، من نبرة أمّ، من تنهيدة عامل، من حيرة عاشق، من ضحكة طفل.
في أحد حواراته المنشورة في جريدة الخليج، قال:
“لا أتخيل حياتي بلا تواصل مع الناس”.
وكانت هذه الجملة البسيطة تختصر حياته كلها.
هو الذي لم يكتب من علُ، بل من قلب الشارع، ومن ضوء المصباح البسيط في زاوية مجلس. كان صوته جسرا، وكلماته مواساة، وأعماله الإذاعية مساحة دفء في ليالٍ طويلة.
وحين يدخل الاستوديو، لم يكن الميكرفون أمامه آلةً، بل رفيق عمر. يصمت قليلا، يغمض عينيه، ثم يُطلق التوجيه بهدوء. لا يصرخ، لا يفرض، فقط يُشير… فتنبض الحكاية بالحياة. كان صمته أبلغ من كثير من الكلام، ونظراته تسبق كلماته. يقول المقرّبون منه إن حضوره وحده كان كافيا لتُضبط النبرة، ويتوازن الإيقاع، وكأن الميكرفون يُصغي له لا العكس.
في غرف الإخراج، حيث لا يراه أحد، كان يزرع الحكايات كما يزرع فلاحٌ ماهر سنبلة في ترابٍ يعرفه. يُنصت للنص كما يُنصت طفلٌ لأغنية جدّته، ثم يُعيد تشكيله كأنه يقاسم الحياة عبر الإذاعة ، كانت أعماله تُلامس المستمع من العمق، لا من الخارج، ولهذا بقيت.
لكن محمود، الذي أحبّ الناس والإذاعة، اختار أن يرحل بصمت.
لا ضجيج، لا وداعٌ في نشرات الأخبار. رحل، وترك وراءه ما لا يُمحى: أثرا في أرواح من سمعوه، ودفئا في صوتٍ ما زال يُعاد، ونصوصا تُمثَّل وتُحبّ كل مرة من جديد.
الميكرفون الذي كان له رفيقا، ما زال ينتظره، وكرسيّه في غرفة الإخراج، رغم غيابه، لا يجلس عليه أحد دون أن يلمس أثره.
إنه من أولئك الذين لا يغيبون حين يرحلون، لأنهم لم يسكنوا الأمكنة، بل سكنوا القلوب.
رحم الله محمود بن عبيد الحسني، وطيّب صوته في ذاكرة الأثير.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة