د. قاسم بن محمد الصالحي|
في أزمنة التوتر، يعلو صوت المدافع ويخفت صوت العقل، وكأن العالم لا يتقن الإصغاء إلا للضجيج. غير أن الممرات الكبرى، التي تمر عبرها مصالح الشعوب وأرزاق الأمم، لا تُدار بمنطق الانفعال، بل بحكمة التوازن، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل شركاء في مسؤولية البقاء.
ما يجري اليوم ليس مجرد شدّ حبال بين إرادات متعارضة، بل اختبار لمدى نضج الفاعلين في الإقليم وقدرتهم على تجاوز إغراء القوة إلى فضاء الحكمة. فالقوة، مهما بلغت، تبقى أداة عابرة، أما الاستقرار فهو بناء تراكمي لا يقوم إلا على التفاهم والاعتراف المتبادل بالمصالح.
إن منطق الغلبة يغري أصحابه، لكنه لا يطمئن خصومه، ومن هنا يبدأ القلق الذي يتحول سريعًا إلى توتر، ثم إلى صدام لا يربح فيه أحد. وعلى الضفة الأخرى، فإن الإفراط في تدويل الأزمات يفتح الأبواب لتدخلات لا تنتهي، ويحوّل الجغرافيا إلى ساحة تصفية حسابات، بدل أن تكون فضاءً للتكامل والتوازن.
الحكمة السياسية لا تعني التنازل، بل تعني إدراك حدود القوة، وفهم أن إدارة الممرات المشتركة لا تكون بالهيمنة، ولا بالمناكفة، بل بصياغة قواعد تضمن للجميع حق العبور الآمن، دون أن تُقصي أحدًا أو تستفز أحدًا.
لقد علّمتنا التجارب أن الأزمات الكبرى لا تُحل في ذروة التصعيد، بل حين يهدأ الصخب ويبدأ التفكير. وأن الدول التي تنجح ليست تلك التي ترفع سقف التهديد، بل التي تُحسن خفض منسوب التوتر دون أن تفقد موقعها أو مصالحها.
إن المنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى عقلاء يقدّمون لغة المصالح المشتركة على لغة التحدي، ويستحضرون أن ما يجمع أكثر مما يفرّق، وأن الاستقرار ليس منحة من طرف لطرف، بل مصلحة جماعية لا يمكن لأي دولة أن تعيش خارجها.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأبقى: القوة قد تفتح الطريق.. لكن الحكمة وحدها هي التي تُبقيه مفتوحاً.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة