د. قاسم بن محمد الصالحي|
مع اقتراب موسم الخريف في صلالة، لا يتبدّل الطقس وحده، بل تتجلّى فلسفةٌ كاملة في إدارة التحوّلات. ففي وقتٍ تشتد فيه الحرارة في الإقليم، تنسحب إلى ظفار سحابةٌ هادئة، لا تُعلن حضورها بضجيج، لكنها تُغيّر المشهد بثباتٍ عميق.
ذلك المشهد ليس بعيداً عن الروح العُمانية في السياسة. فكما يأتي الخريف برذاذٍ متدرّج يُحيي الأرض دون أن يرهقها، تمضي الدبلوماسية العُمانية في نهجٍ يفضّل التهدئة على التصعيد، والبناء التراكمي على ردود الفعل اللحظية.
في الخريف، لا تُفرض التحوّلات قسراً، بل تُمهَّد لها البيئة حتى تنضج. وهكذا تفعل عُمان في إقليمٍ مثقلٍ بالاستقطاب؛ تُخفّض منسوب التوتر، وتفتح قنواتٍ هادئة، حيث يمكن للأطراف أن ترى ما عجزت عن رؤيته في ذروة الانفعال.
ورغم هذا الهدوء، يظل الخريف أكثر الفصول أثراً في ظفار. وكذلك هي الدبلوماسية العُمانية: تأثيرٌ يتراكم بصمت، ويُقاس بما يمنعه من أزمات قبل ما يُعلنه من مواقف. فهي لا تنافس في رفع الصوت، بل في خفض حدّته.
في زمنٍ تتقدّم فيه الانفعالات على الحسابات، يقدّم خريف صلالة درساً بليغاً؛ أن إدارة الأزمات لا تكون دائماً بالمواجهة، بل أحيانا
بإعادة تشكيل المناخ الذي تُدار فيه. هناك، حيث يتّسع الأفق.. تضيق الأزمات.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة