يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في رحاب التاريخ، حيث تسير الأمم عاريةً إلا مما صنعت أيديها من قيم، تتجلى عُمان شامخةً، ثابتة الخطى، وضيئة الهوية، تلبس رداء الأخلاق قبل أن تحمل سلاح القوة أو زخرف الحضارة.. إنها عُمان، التي لم تتكئ في مسيرتها الطويلة على غنائم الحروب، ولا على نيران الفتوحات، بل مدت يدها عبر الاشرعة البيضاء إلى العالم برسالة إنسانية عظيمة، جوهرها الأخلاق، وروحها السماحة، وأداتها الكلمة الطيبة، والموقف الكريم.
ولم يكن هذا من قبيل الادعاء أو التصنع، بل شهادة خلدها التاريخ، ونطق بها سيد البشر، النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إذ قال: “لو أن أهل عُمان أتيتَ ما سبُّوك ولا ضربوك” (رواه مسلم).. فيا له من وسام خُلقي، ويالها من شهادة ربانية، وكم من أمة تتوق إلى مثلها فلا تنالها!.. لقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم للعماني بأدب اللقاء، وصفاء القلب، ونبل الطوية؛
وكأنما كانت الأخلاق في عُمان منذ القدم، سرا مكنونا في طينتها، تنبض به الأرض، وتوشوش به البحار، وتفصح عنه الجبال الصامتة.
وحقّ لعُمان أن تفخر، لا صخبًا ولا استعلاءً، بل فخر الحليم بثقله، والوفيّ بوعده.. لقد دخل أهل عُمان إلى الإسلام طواعية، حين لانت قلوبهم للنور دون قتال، وحين سجدت جباههم للحق بلا إكراه، فكانوا صفحة بيضاء تُكتب عليها آيات النبل الإنساني.
وفي رحلاتهم، وهم يذرعون البحار والسواحل، لم يكونوا غزاةً يحملون السيف، بل سفراء يحملون خُلقا، وتجارا يزرعون الثقة قبل أن يبيعوا البضائع.. كان العماني رسولا صامتا للإسلام، يفتح القلوب قبل أن يطرق الأبواب.. وهكذا بقي العماني، عبر القرون، صبورا كالصخر، كريما كالغيم، لين الجانب، عزيز النفس، يزن القول فعلاً، ويحمل الخُلق إرثًا لا يعرضه للمساومة.
وفي عصر تتكسر فيه القيم تحت مطارق المادة، تظل عُمان تقف شاهدةً على أن الهوية الحق لا تنبع من فورة السياسة ولا زهو الاقتصاد، بل من معدن أصيل، حملته أجيال عن أجيال، كأمانة مقدسة.. اليوم، والعالم من حولنا يعصف به التيه الثقافي والتفكك الروحي، تبقى عُمان وفيةً لوعدها الأول .
تحمل الأخلاق لا شعارًا مؤقتًا، بل قدرا دائما، وتقدم للعالم درسًا بليغًا.. أن بناء الأمم الحقيقي يبدأ من الداخل، من ضمير الإنسان، ومن مكارم الطباع، قبل أن يكون من مظاهر العظمة وصرخات المنابر.
لقد زكاكم النبي يوما، فلا يخبو هذا الزكاء ما دام العماني يقيم على مبادئه، ويفيض على العالم من نور سريرته وجمال أخلاقه، عُمان.. أمةٌ حملت الأخلاق تاجا، ولم تنحنِ إلا لرب الأخلاق، وستظل كذلك، شامة على جبين الزمان.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة