تكتبها: أمنة بنت محمد البلوشية|

كتاب “قوة التفاوض”، الذي صدر عن دار هاشم في بيروت عام 2025 وترجمته الدكتورة فاطمة محمدي، يعد واحدا من الأعمال التي تغوص في أعماق فن التفاوض، وتعرضه عبر ستة أبواب متكاملة تناقش طبيعة المفاوضات، أنواعها السياسية، سمات المفاوض، مهارات ومراحل التفاوض، ومتطلباته. يعكس الكتاب خبرات الكاتب عباس عراقجي، الذي تولى قيادة الملف النووي الإيراني في أوقات عصيبة، حيث يشارك تجربته الشخصية في المفاوضات الدولية، وخاصة مع القوى الكبرى.
مقدمة الكتاب
في بداية الكتاب، يفتح عباس عراقجي حديثه بأسلوب سردي ساحر، حيث يبين أن التفاوض ليس مجرد نشاط دبلوماسي عابر، بل هو فن ضارب جذوره في الثقافة الإيرانية. يعتبره جزءا من التراث الإيراني الذي تجسد في أسواق البازار الإيراني، حيث كان التجار المخضرمون يتفاوضون على الأسعار بأسلوب متقن وحاذق. من خلال هذا التشبيه، يوضح الكاتب أن التفاوض ليس مجرد عملية تقنية أو بروتوكولات جامدة، بل هو ثقافة تواصلية غنية تحمل في طياتها مهارات فطرية تعلمها الإيرانيون عبر الأجيال.
التفاوض كفن متجذر في التاريخ:
يعد عباس عراقجي، الذي شغل منصب نائب وزير الخارجية الإيراني، وهو الآن وزير الخارجية منذ 2024، هذا الكتاب بمثابة رؤية شاملة لفن التفاوض الذي استلهمه من سنوات طويلة من العمل في مجال الدبلوماسية. يرى أن التفاوض هو قلب العلاقات الدولية، يعتمد على فهم عميق للثقافات الأخرى وبناء الثقة بين الأطراف المختلفة.
الكتاب في سطور
يتضمن الكتاب مقدمة ثم خمسة أبواب متكاملة عن طبيعة التفاوض وأنواعه السياسية، وأسس المفاوض الناجح، وكيفية التفاوض في الأوقات الصعبة. يضع عراقجي في الكتاب أساسيات وسمات المفاوض، وكيفية التأثير على الأطراف الأخرى خلال الجلسات، مستعرضًا التحديات الكبيرة التي واجهها في المفاوضات النووية الإيرانية مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية. يطرح أيضا رؤيته لفن التفاوض في مختلف القضايا الدولية.
الحوار جوهر التفاوض
يعتبر الكاتب أن الحوار هو جوهر خلق الإنسان، ويُعد من أساسيات التفاوض الناجح. ففي كتابه، يبين عراقجي أن الحوار هو الذي يميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية. فالحوار ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل هو أداة قوية لبناء العلاقات وتعزيز التعاون بين الأفراد والمجتمعات والدول. يستند الكاتب في هذا الرأي إلى آيات قرآنية تتحدث عن قيمة الحوار كعنصر أساسي في التواصل بين البشر، مثل قوله تعالى: “ن والقلم وما يسطرون” (القلم: 1)، حيث تُعتبر إشارة إلى أهمية العلم والتفكير والتواصل بالكلمة. الكلمات التي تُستخدم في الحوار هي ما تبني العقول وتفتح الآفاق. من خلال هذا، يظهر أن الحوار جزء من الهوية الإنسانية التي تستند إلى القدرة على التفكير والتعبير والتفاوض.
التفاوض بين المبادئ والواقعية
من أبرز النقاط التي يناقشها الكتاب هي العلاقة بين المبادئ والواقعية في المفاوضات. يرى عباس عراقجي أن المفاوض الناجح هو من يستطيع الجمع بين احترام المبادئ السياسية لبلاده وبين الحاجة إلى التوصل إلى تسويات واقعية تضمن الحفاظ على مصالح الوطن. وهذا التوازن بين المثالية والواقعية هو ما يميز المفاوضات الكبرى ويجعلها أكثر فعالية.
تطبيقات عملية لفن التفاوض
يقدم الكتاب العديد من التطبيقات العملية لفن التفاوض، وخاصة في إطار الملف النووي الإيراني الذي كان عراقجي جزءا أساسيا من فريقه المفاوض. يتناول الكتاب التحديات الكبيرة التي واجهها في المفاوضات مع القوى العالمية الكبرى مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وكيف كانت المرونة والقدرة على فهم نوايا الأطراف الأخرى هما المفتاح في تحقيق تقدم حقيقي. يقدم الكتاب تحليلات دقيقة حول استراتيجيات التفاوض التي اتبعت في تلك المرحلة وكيفية إدارة المواقف الحرجة.
الشباب والمستقبل
أحد الأهداف الرئيسية التي يطرحها الكتاب هو إلهام الشباب ودفعهم إلى الانخراط في فن التفاوض، وهو مهارة حيوية في عالمنا المعاصر الذي يتطلب الحوار المتبادل والقدرة على حل النزاعات. يعتبر عراقجي أن المستقبل سيكون بيد الجيل الجديد من المفاوضين، ولهذا يجب عليهم تطوير مهاراتهم في التفاوض بين الثقافات وفهم أعمق للقضايا الدولية. إن القدرة على إتقان التفاوض ستجعل الشباب قادرين على مواجهة التحديات وتحقيق النجاحات في مجالات السياسة والدبلوماسية.
“قوة التفاوض” من وجهة نظر عباس عراقجي
في هذا الكتاب، يعرض عباس عراقجي، المفاوض الإيراني البارز، رؤيته الشاملة لفن التفاوض وأسراره، مستفيدًا من تجربته الطويلة في المفاوضات السياسية، خاصة في ملف البرنامج النووي الإيراني. يسلط الضوء على خصائص المفاوض الناجح وصفاته الجوهرية، حيث يشير عراقجي إلى أهمية أن يكون الدبلوماسي المفاوض على دراية تامة بجميع تفاصيل قضيته، وأن يتحلى بقدرة على التماسك الشديد أثناء جلسات التفاوض. يعتقد أن المفاوض يجب أن يكون كتوما لا يفشي أسرار بلاده، ويجب أن يكون متعصبًا لمصالح وطنه، لكن بشكل إيجابي بحيث يدافع عن هذه المصالح بشجاعة وصلابة.
القوة النفسية والجسدية
من النقاط الأساسية التي يتناولها الكتاب هي ضرورة أن يمتلك المفاوض قوة نفسية وجسدية. يشير عراقجي إلى أن المفاوض الناجح يجب أن يتمتع بقوة نفسية تمكنه من إدارة مشاعره أثناء الضغوط النفسية، وقوة جسدية تتيح له الصمود أثناء المفاوضات الطويلة، وهو ما يعزز قدرته على الاستمرار وتحقيق نتائج مثمرة رغم التحديات. كما يؤكد على ضرورة الالتزام العميق تجاه وطنه ومبادئه، مما يعزز مصداقيته ويجعله قادرًا على تحقيق أهداف بلاده في المفاوضات.
إتقان لغة الآخر
من النقاط الجوهرية التي يشير إليها الكاتب هي ضرورة إلمام المفاوض بلغة الطرف الآخر الرسمية، دون الاعتماد على مترجمين. يرى عراقجي أن المفاوض الذي يستطيع التحدث بلغة الطرف الآخر يمكنه إيصال مشاعره وأفكاره بشكل مباشر من خلال الكلمات ونبرة الصوت ولغة الجسد، وهو ما يعزز مصداقيته ويقوي تأثيره خلال المفاوضات. هذا العنصر يوضح كيف أن التفاوض ليس مجرد تبادل كلمات، بل هو تفاعل معقد يعكس الفهم العميق للطرف الآخر.
التفاوض النووي الإيراني: قوة التفاوض والتقنيات السرية
يقدم الكتاب أيضًا لمحة عن جوانب خفية من المفاوضات النووية مع الغرب، حيث يكشف عراقجي عن الكواليس التي أدت إلى صمود إيران في وجه الضغوط الغربية والعقوبات. يشير إلى أن الدول الغربية لم تتمكن من إيقاف تطوير البرنامج النووي الإيراني، رغم محاولاتها المستمرة. ويوضح أن إيران، باعتبارها دولة تؤمن بالعلم والتقنية، استطاعت الوصول إلى مستوى متقدم في تخصيب اليورانيوم، مما منحها قوة تفاوضية كبيرة وجعلها لاعبًا رئيسيًا في الساحة الدولية. يشير الكاتب إلى أن البرنامج النووي كان أداة رئيسية في تعزيز القوة التفاوضية لإيران.
وجهة نظر شخصية حول الكتاب
من خلال قراءتي للكتاب، أرى أن “قوة التفاوض” يعد عملا ثريا معرفيا، خاصة في ما يتعلق بكشف الحقائق وأسرار بعض أهداف التفاوض الإيراني. استفدت كثيرًا من فهم العادات التفاوضية الإيرانية، ومن استكشاف كيف يتعامل الإيرانيون مع التفاوض كفن مرن يعتمد على الصبر والمناورة أكثر من المواجهة المباشرة. ورغم أن الكتاب لا يحمل الكثير من الإثارة الأدبية أو الطرح الفلسفي العميق، إلا أنه يحتوي على عبارات تأملية جميلة مثل: “أن تبيع الثلج تحت أشعة الشمس”، و”أن المساومة الزائدة قد تتحول إلى الخسارة”، وهي عبارات تحمل حكمة عملية يمكن تطبيقها في مختلف مجالات الحياة، وليس فقط في السياسة والدبلوماسية. يقدم الكتاب دروسا قيمة في كيفية التعامل مع الضغوط، وتحقيق أهداف استراتيجية، وبناء جسور التعاون الدولي.
الختام
في النهاية، يُعتبر كتاب “قوة التفاوض” لعباس عراقجي مرجعا غنيا ومفيدا لكل من يسعى لفهم فن التفاوض بشكل عميق ومتعدد الأبعاد. إنه دليل عملي لمن يرغب في إتقان مهارات التفاوض في عالم معقد وسريع التغير. من خلال الخبرات الشخصية لعراقجي في التعامل مع قضايا شائكة على الساحة السياسية الدولية، يُقدم الكتاب إشراقات تنير الطريق نحو سلام مستدام وبناء علاقات دولية مثمرة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة