مقال| حين تهمس الأرض.. دعوني أُعمَّر

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

في كل حضارة تشهد تحوّلا ونموا، كان العمران مرآتها الصافية، تعكس الطموح، وتترجم الأحلام في التقدّم والازدهار.. ولأن الأرض كانت دومًا شاهدة على قصص البناء والنماء، جاء التطوير العقاري كفنّ راقٍ يحاكي نبض المدن ويعيد رسم ملامح الحياة فيها.. إنه ليس مجرّد تشييد مبانٍ أو مدّ طرق، بل هو عملية شاملة تجمع بين الرؤية الاقتصادية، والابتكار الهندسي، وروح الإنسان الباحث عن بيت يكبر مع الايام كما تكبر الاحلام، في بيئة أجمل وأوفر.

وحين يمتد هذا الحلم ليصبح مشروع امة، يأتي التطوير العقاري كأغنية بناء، تعزفها الأيادي المؤمنة بمستقبل أجمل، ليلعب دوراً محورياً في دفع عجلة الاقتصاد؛ إذ يحرّك عشرات القطاعات الحيوية من الصناعة إلى التجارة، ومن البنوك إلى قطاع الخدمات، كما يخلق فرص العمل، ويعزز الاستثمارات المحلية والأجنبية، ويساهم في رفع مستويات المعيشة وتحسين جودة الحياة.. إنه استثمار في المستقبل، وتخطيط للأجيال، تحلم أن تبقى واقفةً بشموخ في وجه تحديات الزمن.. من خلاله، تخفف الاعباء عن كاهل الدولة، وتنطلق عجلة التنمية بشراكات ذكية مع القطاع الخاص، فيغدو كل بيت مبني، صفحة جديدة تكتب في كتاب الوطن.

وهكذا، لا يكون الحديث عن التنمية الشاملة مكتملا دون أن نذكر هذا القطاع الحيوي الذي تنبض به الاقتصادات الحيّة، وترسم عبره الشعوب ملامح غدها المزدهر.. ففي ركنٍ هادئ من هذا الوطن الممتد، تتمدد أراضٍ خام تنتظر أن يتفتح فوقها الحلم.. تنتظر أن تزرعها الأيادي بيوتا تحكي النسيج الاجتماعي والثقافي العماني، وأن تُضاء فيها الشرفات بسهر المحبين.. لماذا تبقى هذه المساحات تنام في انتظارٍ طويل؟، ولماذا نظل نحلم بأن تُشرق، دون أن نمنحها فرصة التنفس؟.

من بين أصوات العابرين من الشباب، وأحلام بناء بيت في مدن حديثة، تتسلل فكرة وادعة.. فكرة قد تبدو غريبة، لكنها ربما تكون المفتاح: ماذا لو تركنا للمطورين العقاريين مهمة تجهيز هذه الأراضي — بكل ما يلزم من بنية وحياة — مقابل أن تُسترد جهودهم من خلال رسوم خفيفة، عادلة، لا ترهق أحدًا ولا تستنزف الدولة؟.. ليس مطلوب من خزينة الدولة أن تنفق، ولا من الأيادي الصغيرة أن تتعب.. بل يفتح المجال لمطوّرين شغوفين، يديرون عجلة الحياة، ويسجّل عبرهم صفحة جديدة من حكاية العمران.

في هذا التصور، كل طرف يكسب: المواطن يجد أرضًا جاهزة للسكن، لا ينتظر سنوات عجاف لتوصيل الخدمة، “يدفع رسومها للحصول عليها”، الدولة ترتاح من عبء النفقات الثقيلة.. الأرض تبتسم، وتقول للعابرين: “هنا تبدأ الحكاية”، برسوم بسيطة، تُفرض على ملاك الأراضي الخام، تكون هي تمويل الحلم، تدفع من يملك إلى أن يعمر، أو أن يفسح المجال لمن يحلم بالعمار.

وهكذا، يبقى التطوير العقاري نبضًا في قلب الوطن، يكتب بلغة الطموح قصصا من نور وحجارة.. يظل الحلم الذي بدأ بقطعة أرض وبيت صغير، يكبر ليغدو ازدهارا في اقتصاد الدولة، ورفاها في حياة الناس.. ومع كل مشروع يولد، ومع كل مدينة تُبنى، نؤكد أن الأحلام حين تجد من يؤمن بها، تصبح أوطانا تنبض بالحياة، ومجتمعات لا تعرف المستحيل.. في لحظة تأمل صافية، تدرك أن أعظم التحولات تبدأ بأبسط الأفكار.. وفكرة كهذه لا تطلب إلا أن نؤمن أن الأرض، حين تهمس، تقول: “دعوني أُعمَّر”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*