مقال| في حضرة الحرف: ترجم… لأن العالم يستحق أن نسمعه بلغتنا ونسمعه بلغته

يكتبه: آمنة بنت محمد البلوشية| 

يقول الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن -المختص في التراث العربي الإسلامي- إن الترجمة هي مدخل للإبداع..

في أرضٍ اعتادت أن تزرع الأحلام وتُحسن حصادها، كانت الكلمة دومًا في القلب، وكانت المعرفةُ وطنًا ثانيًا لكل من آمن أن الوعي نور، وأن الثقافة جواز عبور نحو المستقبل.

وفي هذا السياق، بزغت هيئة الأدب والنشر والترجمة في المملكة العربية السعودية، كإحدى أهم المبادرات التي اتكأت على الحلم لتبني واقعًا جديدًا، تتقاطع فيه اللغات وتتلاقى الأرواح.

عام 2021 كان شاهدًا على ميلاد مبادرة “ترجم”، التي حملت في قلبها وعدًا بإحياء حركة الترجمة في المملكة، لا بوصفها عملاً مؤسساتيًا فحسب، بل باعتبارها رسالة ثقافية وإنسانية تتجاوز الحدود، وتؤمن أن كل لغة مفتاحٌ لحديقةٍ أخرى من الفكر والعاطفة.

ترجم: أكثر من مبادرة… بداية لحكاية

جاءت “ترجم” لتدعم النهضة الكبرى في الترجمة، مستهدفة إثراء المكتبة العربية بكنوز الأدب والمعرفة والعلوم من أنحاء العالم كافة. فالمبادرة لم تكتفِ بترجمة الكتب، بل سعت لانتقاء الأعمال ذات القيمة الفكرية والإنسانية العميقة، لتكون الترجمة جسراً حقيقياً بين الثقافة السعودية وثقافات العالم.

وعبر هذا المشروع الطموح، تسعى الهيئة إلى تعزيز التبادل الثقافي والمعرفي، وجعل الترجمة وسيلة فاعلة في بناء جسور التفاهم والحوار، حيث يصبح النص المترجم مرآة تعكس إنسانية الآخر، وصوتا يسمعه كل من كان يؤمن بأن الحضارة لا تنمو إلا بالتلاقي.

الشباب: الحلم الذي لا يشيخ

ومن بين ثنايا هذه المبادرة، كان للشباب نصيب كبير. آمنت الهيئة بأن جيل الشباب هم وقود النهضة المقبلة، فأطلقت برامج تهدف إلى تمكين المترجمين الناشئين، وتدريبهم، ودعم مبادراتهم المهنية، ليكونوا جنود الكلمة المخلصة، وأصحاب الحرف العابر للحدود.

إنها ليست مجرد دعوة للتعلم، بل هي احتفاءٌ بقدراتهم، وإيمان بموهبتهم، وسعي حثيث لبناء مجتمع يفيض بالمتخصصين اللغويين الذين يجمعون بين المعرفة العميقة والاحترافية العالية.

ترجمة سعودية… بأجنحة العالم

ولأن الثقافة الحقيقية تنبع من الذات قبل أن تمتد إلى الآخر، حرصت الهيئة أيضا على ترجمة الأعمال السعودية المضيئة، كي تصل للعالم، جنبا إلى جنب مع أمهات الكتب العربية والعالمية. كان الهدف أن تكون الترجمة حكاية استدامة، لا مشروعًا عابرًا، وأن تواكب المملكة نبض العالم بلغة تحترف الدقة والجمال.

ولم تكن هذه الترجمة مجرد نقل حرفي، بل كانت بحثًا عن الروح الخفية في النص، سعيًا لخلق نصوص مترجمة تنبض بالحياة، وتحمل بين طياتها أمانة المعنى وألق الإبداع.

المعرفة حقٌ للجميع

في رؤيتها، تؤمن الهيئة أن نشر المعرفة مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مشروعًا ثقافيًا. ومن هنا جاءت مبادراتها لإتاحة الأبحاث والمقالات الفكرية الرائدة، متجاوزة عائق اللغة، وجاعلة من المعلومة نورا متاحا لكل من يطلبه.

لقد كانت الغاية واضحة: تخطي الحواجز اللغوية، وتوسيع دوائر الفهم، ونقل الفكر المؤثر إلى كل قارئ عربي، أينما كان.

نحو استدامة الترجمة واحتراف المستقبل

الهيئة لا تعمل للمستقبل القريب فحسب، بل ترنو إلى بناء منظومة مستدامة، تجعل من الترجمة ركنا ثابتا في المشهد الثقافي السعودي.

إنها تستشرف زمنا تكون فيه الترجمة صناعة وطنية قائمة بذاتها، محترفة في تقنياتها، مزدهرة في مواردها البشرية، ومتصلة دومًا بأحدث ما توصل إليه العالم في مجال اللغويات وتقنيات الترجمة الحديثة.

في الختام…

بين دفتي الحلم والعمل، تمضي هيئة الأدب والنشر والترجمة بخطى واثقة، تصنع تاريخًا جديدًا للكلمة العربية، وتفتح نوافذ واسعة تطل منها المملكة على العالم، ويطل منها العالم على المملكة.

وفي زمن تزداد فيه الحاجة إلى الحوار والتفاهم، تبدو مبادرات الترجمة أكثر من ضرورة: إنها رسالة محبة، وحلم مشترك، ووعدٌ بأن يكون الغد أكثر قربا وإنسانية.

ayaamq222@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*