يكتبه: آمنة بنت محمد البلوشية|
ليس غريبا أن تجد وزارة التراث والسياحة في قلب معرض مسقط الدولي للكتاب في نسخته التاسعة والعشرين. غير أن ما يميز مشاركتها هذا العام أنها لا تقتصر على عرض الكتب فقط، بل تأتي لتحيي ذاكرة الوطن وتعيد ترتيب الحنين على رفوف الحاضر.
إصدارات تنطق بالحياة
فهذه ليست مجرد إصدارات جديدة، وإن كان من بينها سبعة أعمال حديثة تناولت التراث والتاريخ الطبيعي وسياحة المغامرات؛ بل هي أصوات الأماكن، همسات الصخور، ووشوشات الرياح التي تتسلل عبر جبال الحجر. تأخذك هذه الإصدارات في رحلة عبر تفاصيل الحياة العمانية، حيث تنتظر الطبيعة في قرية “وكان” بشغف موسم تفتح زهور المشمش، كأنها على موعد مع الفرح، معلنةً استقبال الزوّار لالتقاط لحظات من الجمال المتناثر بين الزهور التي تتراقص على أنغام النسيم.
أما جبل الأخضر، فيستقبل موسم الورد الجبلي بعبق روائحه الزكية، حين يتحول المكان إلى بستان من العطر والماء، وكأن الجبل بأكمله يهمس للحياة: “هنا يبدأ الجمال”. لوحة طبيعية تستدعي الكاميرا… وتخطف القلب
جناح يحكي الوطن
في هذا الجناح، لا تقدم الوزارة الكتب للبيع فحسب، بل تفتح أبوابًا على ظلال القلاع، وتنهيدة نخلة، وزفرة ربان أنهكه الموج وانتصر عليه بالحنين.
تختلط الأبعاد بين القارئ والسائح؛ كل كتيب ترويجي هو دعوة للسفر داخل الوطن، وكل صورة لمعلم أثري تكتب قصيدة صامتة عن الجمال العماني الذي لا يحتاج إلى زخرفة. ومع تقنيات الواقع الافتراضي، لم تعد الحكاية تُروى… بل تُعاش؛ تخطو داخل العالم القديم وكأنك ابنٌ لذلك الزمن، تمشي بين المآذن والسواحل والأسواق، وتسمع بين السطور صوتًا يهمس: “هنا كانت البدايات، وما زلنا نكتب ما تبقى منها”.
ورش تفاعلي.. تراث ينمو مع الأجيال
هذا العام، لم تقتصر مشاركة الوزارة على تقديم الكتب فقط، بل شملت ورشًا تفاعلية للأطفال وطلاب المدارس، أتيحت لهم فيها فرصة التفاعل المباشر مع التراث العماني. من خلال هذه الورش، يتمكن الطلاب من اكتشاف جمال عمان بطرق مبتكرة، والتعرف على تاريخ البلاد وأهمية مقتنياتها القديمة، مما يُثري تجاربهم ويُحفزهم على الانتماء إلى وطنهم من خلال اللمس والمشاركة الفعلية.
رحلة عبر الجمال العماني
وكان جناح الوزارة بمثابة أداة ترويجية تسعى إلى تسويق جمال عُمان بكل تنوّعاته:
• من مسقط العامرة ذات التاريخ العريق.
• إلى ظفار الجميلة التي تبسط خريفها كوشاح أخضر، حيث تتدفق السحب من بحر العرب.
• إلى مسندم الشاهقة التي ترتفع بين المضائق البحرية والتكوينات الصخرية العالية.
• إلى بقية المحافظات التي لكل منها حكايتها وسحرها الخاص
ومن خلال أكثر من 60 عنوانا، تنقل الوزارة الزائر في رحلة عبر 11 محافظة و62 ولاية، تتنوع فيها المقومات السياحية بين الجبال والأودية، الأخوار والمزارع، القلاع والحصون، والأسواق التقليدية التي تنبض بالحياة.
نقدٌ بحب.. دعوة لاستمرارية السرد
ومع ذلك، تبقى هناك مساحة للتساؤل: لماذا لا تكون هذه الروح حاضرة طوال العام؟. لماذا لا تخرج هذه الكنوز من الأجنحة المغلقة إلى مسارات الحياة اليومية، إلى المدارس والمقاهي والميادين العامة؟.
وزارة التراث والسياحة تميزت بلغة الأرض، لكن الحاجة اليوم تتطلب أن تتحول هذه اللغة إلى سردٍ مستمر، لا موسمي. سردٍ يربط الأجيال ويصنع جسورا بين زوار المعرض وأصحاب الأرض.
فمعرض الكتاب ليس مجرد مناسبة للقراءة، بل منصة لخلق علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، بين الجهات الحكومية والخيال.
ومشاركة الوزارة، بهذا الشكل الأنيق الممزوج بالفكر والفن، هي نداء لأن تكون الثقافة جزءا أصيلا من السياسة العامة، لا فقرة عابرة تُضاف على استحياء في جدول الفعاليات.
ختاما…
في جناح وزارة التراث والسياحة، لم تكن الكتب تُقرأ فقط، بل تُحب. وكان الوطن هناك، جالسا بهدوء، يروي نفسه… لمن يريد أن يصغي.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة