مقال | حين تتحدث الصحراء عن حكمة عُمان

د. قاسم بن محمد الصالحي |

قال لي شيخٌ من أهل الصحراء ذات مساء، ونحن نجلس عند طرف واحة هادئة، نراقب امتداد الرمال وهي تلتقي بأفق لا نهاية له: “يا بُني، إذا أردت أن تعرف عُمان، فلا تنظر فقط إلى ما تبنيه الدولة، بل انظر كيف يحافظ المجتمع على توازنه عندما تهب العواصف من حوله.”

سألته: وكيف تستطيع الصحراء أن تعلّم الإنسان التوازن؟.

ابتسم وقال: “لأن الصحراء لا تمنح أسرارها لمن يستعجلها.. فهي تعلّم أهلها الصبر، وحسن التدبير، ومعرفة متى يتحركون ومتى ينتظرون.”

ثم أخذ يحكي..

قال إن أهل الصحراء عرفوا منذ القدم أن البقاء لا يكون بالقوة وحدها، بل بالتماسك، وبمعرفة حدود الإمكان، وبأن سلامة الجماعة مقدمة على رغبة الفرد. فعندما كانت تأتي سنوات القحط، لم يكن السؤال: من يملك أكثر؟. بل كيف نحمي الجميع؟. 

وعندما كانت تمر القوافل، لم يكن المهم من أين جاءت، بل كيف تُؤمّن طريقها وتعود سالمة.

ومن هنا نشأت في المجتمع العُماني خصلة عميقة: القدرة على إدارة الأزمات قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر، والاحتفاظ بالهدوء عندما تضطرب المنطقة من حوله.

فالمجتمع الذي عاش بين البحر والصحراء تعلّم أن الجغرافيا لا تمنح دائماً ظروفاً سهلة، وأن الاستقرار ليس أمراً تلقائياً، بل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع. ولذلك ظل التكاتف الاجتماعي، واحترام النظام، والحرص على الأمن المجتمعي، جزءاً من الثقافة اليومية لا مجرد شعارات وقت الأزمات.

لكن حكمة المجتمع لا تعني أن يتوقف عن التساؤل، ولا أن تتحول الثقة إلى صمت. فالمجتمعات الناضجة لا تقاس فقط بقدرتها على التماسك، بل أيضاً بقدرتها على الفهم والمشاركة الواعية. ومن هنا تأتي أهمية أن تُقرأ قرارات الدولة بهدوء وتأنٍ، بعيداً عن الأحكام السريعة أو التفسيرات المتعجلة، فلكل قرار سياقه، ولكل سياسة حساباتها التي قد لا تكون ظاهرة في لحظة إعلانها.

وفي المقابل، فإن وضوح الرسالة وشفافية التفسير من قبل الجهات الحكومية يظل عاملاً أساسياً في تعزيز الثقة؛ فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة القرار، بل يحتاج إلى فهم أسبابه وأهدافه وآثاره المتوقعة. فالشفافية لا تقلل من هيبة القرار، بل تمنحه قوة أكبر لأنها تجعله مفهوماً ومقبولاً وقابلاً للشراكة المجتمعية.

لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تعيش في بيئات مضطربة حولها تحتاج إلى جسر دائم بين الحكمة الشعبية والرؤية المؤسسية؛ الدولة تضع السياسات وفق معطياتها ومسؤولياتها، والمجتمع يساند ويقيّم ويشارك بوعي، وفي المساحة بين الطرفين يتشكل الأمن الحقيقي.

ذلك الشيخ لم يكن يتحدث عن الرمال فقط، بل عن الإنسان الذي تصنعه الصحراء؛ الإنسان الذي يعرف أن العاصفة لا تُواجه بالصوت المرتفع، بل بالثبات، وأن الاختلاف في الرأي لا يجب أن يتحول إلى انقسام، وأن قوة الوطن لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تملكه من ثقة متبادلة بين مؤسساته وأبنائه.

ولهذا، كلما نظرت إلى صحراء عُمان، تذكرت حكمة ذلك الشيخ:

“الصحراء لا تمنح طريقها لمن يركض خلف السراب، بل لمن يعرف اتجاهه.”

وأضيف: كذلك الأوطان لا يحفظ أمنها فقط ما تملكه من قوة، بل ما تمتلكه من وعي؛ وعي دولة تشرح، ومجتمع يفهم، وجميعهما يعملان معاً لحماية الاستقرار في عالم تتغير فيه الرمال كل يوم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*