د. ناصر بن علي الجهوري |
يشهد قطاع السياحة العالمي تحوّلاً نوعياً تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي التنبؤي، بوصفها أداة استراتيجية تستند إلى تحليل البيانات لاستشراف المسارات المستقبلية بدقة. وتمتلك سلطنة عُمان فرصة حقيقية لتوظيف هذه التقنيات بما ينسجم مع مستهدفات التنويع الاقتصادي ويعزز تنافسيتها كوجهة سياحية ذكية ومستدامة.
يقوم التنبؤ بالبيانات على تحليل كميات ضخمة من البيانات التاريخية والحالية باستخدام خوارزميات تعلم آلي قادرة على كشف أنماط وعلاقات غير مرئية بالأساليب التقليدية، ما ينقل السياحة من منطق ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي المبني على المعرفة.
في السياحة العُمانية، يمكن لهذا النهج أن يسهم في تحسين إدارة الطلب، ورفع جاهزية المنشآت، وكفاءة توزيع الموارد، وتعزيز تجربة سياحية أكثر تخصيصاً. كما يتيح الانتقال من الحملات العامة إلى التسويق الذكي الموجّه، واقتراح مسارات زيارة وخدمات رقمية تتلاءم مع تفضيلات السائح.
وتؤكد التجارب الدولية فاعلية هذا التوجه، كما في تجربة مدينة كي ويست (Key West) بالولايات المتحدة التي اعتمدت التحليلات التنبؤية لتحسين الجاهزية والتنبؤ بحجم وتفاصيل الطلب، وأظهرت الدراسات تفوق نماذج متقدمة مثل (Gaussian Naive Bayes) في دقة التنبؤ بالسلوك السياحي عند توفر بيانات موثوقة.
غير أن نجاح توظيف الذكاء الاصطناعي التنبؤي في سلطنة عُمان يظل مرهوناً بتكامل ثلاثة عناصر: بنية رقمية متقدمة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وأطر تنظيمية واضحة للحوكمة والأخلاقيات. ويمكن دعم ذلك بإنشاء وحدة وطنية متخصصة، وتطوير منصة موحدة للبيانات السياحية تجمع معلومات القطاعين العام والخاص، لتحليل الأنماط الموسمية، وتوقع ذروة الطلب، وتحديد الفرص الاستثمارية الأكثر جدوى. كما يمكن دمجها مع أدوات تحفيزية للسائح والمواطن، مثل اقتراح مسارات ذكية، وتقديم عروض خاصة في أوقات انخفاض الطلب، وتشجيع الالتزام بالسلوكيات المستدامة.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤي أن يصبح أداة محورية لابتكار تجارب سياحية فريدة، من خلال دمج تحليلات دقيقة مع الابتكار المحلي والفعاليات الثقافية، مما يمنح الزائر تجربة مخصصة لا تُنسى. ويتيح هذا النهج للسلطنة تعزيز مكانتها بين الوجهات الذكية عالمياً، ورفع كفاءة الاستثمارات السياحية، وتحقيق تنمية مستدامة متوازنة بين الاقتصاد والبيئة والمجتمع.
ويمثل الذكاء الاصطناعي التنبؤي بوابة استراتيجية لانتقال السياحة العُمانية من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل، عبر منظومة استباقية ذكية تُبنى على البيانات والمعرفة لا على ردود الفعل. فهذا التكامل بين التكنولوجيا، والمهارات الوطنية، والاستراتيجية السياحية يمكّن صُنّاع القرار من تحقيق توازن واعٍ بين النمو الاقتصادي، والحفاظ على الموارد، وتقديم تجربة سياحية متميزة تتماشى مع رؤية عُمان 2040.
ومع هذا التحول، تنتقل السياحة من المنافسة التقليدية إلى التميز الذكي المستدام، وتترسخ مكانة السلطنة كوجهة قادرة على استشراف التغيرات وقيادة المستقبل السياحي بثقة وكفاءة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة