د. رجب بت علي العويسي |
تمثّل السياحة فاكهةً صيفيةً من الدرجة الأولى، وقد منحتها الإجازة الصيفية ميزةً تنافسيةً اتجهت معها بعض الأسر إلى السفر والتنقل عبر الوجهات السياحية الداخلية والخارجية، لتشكّل فرصةً ثمينةً لتعزيز الترابط العائلي والاحتواء الأسري. وقد حدّثني أكثر من شخص أن الإجازة الصيفية تمثل جزءًا من تكوينهم الأسري والعائلي، وفرصتهم في الالتقاء بأبنائهم والاجتماع بهم واحتوائهم أكثر من أي وقت آخر.
ولعل هذه الصورة الإيجابية للسياحة ناتجة عما تمنحه لأفراد الأسرة من وقتٍ كافٍ للجلوس معًا، وتناول الطعام معاً، والحوار والتفاعل معاً، بعيداً عن ضغوط العمل والدراسة والالتزامات اليومية، مما يتيح لهم إعادة بناء العلاقات الأسرية وتقوية أواصر المحبة والتواصل. فالسفر والتنزه والتنقل، بما يصاحبه من متعة الترفيه والاستجمام، وتغيير الروتين، وتحسين المزاج والمشاعر، يشكل وسيلةً فعّالةً لخلق مواقف مشتركة تجمع أفراد الأسرة في أجواء من الحوار والتعاون والتفاهم، وتسهم في تعويض ما قد تسببه مشاغل الحياة من برود في التواصل أو قلة في اللقاءات.
إن السياحة، بذلك، أداةٌ لإحياء العلاقات الأسرية من خلال إتاحة الفرصة للآباء والأبناء لقضاء وقتٍ نوعي معًا، والاستماع إلى بعضهم بعضًا، ومناقشة اهتماماتهم وتطلعاتهم، مما يعزز الشعور بالأمان النفسي والانتماء الأسري. ناهيك عما توفره هذه الرحلات العائلية من ترسيخ قيم التعاون والاحترام والإيثار وتحمل المسؤولية، وتقوية مشاعر المودة والرحمة بين أفراد الأسرة، وهو ما ينعكس إيجاباً على استقرارها وقدرتها على مواجهة التحديات.
ومع ذلك، فإن تحقيق نجاح أكبر للسياحة في أداء هذا الدور يتطلب التخطيط المسبق للإجازة، بحيث تكون الأنشطة السياحية جزءًا من برنامج متكامل يشارك في إعداده جميع أفراد الأسرة، ويراعي اهتماماتهم واحتياجاتهم. كما ينبغي استثمار أوقات السفر والاستجمام العائلي في ممارسة الحوار، والأنشطة المشتركة، والتعرف إلى ثقافات جديدة، بما يسهم في تنمية الوعي والمعرفة، إلى جانب بناء الذكريات الجميلة التي تبقى راسخةً في وجدان الأبناء. أما غياب التخطيط للإجازة، وترك الأبناء رهن الفراغ أو الإدمان المفرط على استخدام المنصات الرقمية، فسوف يُضعف من تحقيق هذا الهدف.
أخيراً، يبقى تأكيد البعد الاجتماعي للسياحة، وتنشيط الترابط العائلي والاستقرار الأسري، مرهونًا بالصورة الذهنية التي رسمتها الأسرة، ووضعتها كمؤشراتٍ لقياس ما تحققه من نواتج السياحة، والانتقال بالسفر والتنقل من مجرد حالة فردية وسلوك شخصي إلى محطة لالتقاط الأنفاس، وبناء ذكريات جمعية مشتركة عنوانها الحب والألفة والمودة والرحمة والانتماء، تستنطق وجدانيات النفس وجوهر القيم، وتستنهض جماليات الصورة وإشراقتها؛ لصناعة الفارق وتعظيم الحوار والاحتواء داخل البيت الأسري.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة