مقال | من الأسواق إلى الدبلوماسية.. حكاية عُمان التي لم تنقطع

د. قاسم بن محمد الصالحي |

حين كانت القوافل تثير غبار الصحراء، وكانت الأشرعة البيضاء تلوح في الأفق قادمة من الهند والسند والصين وشرق أفريقيا، لم تكن الجزيرة العربية تنتظر موسم الأسواق لتبيع وتشتري فحسب، بل كانت تنتظر موسمًا آخر؛ موسم التعارف، والمصالحة، وتجديد العهود، وصناعة السلم بين القبائل.

في ذلك الزمن، لم تكن الأسواق مجرد فضاءات اقتصادية، وإنما كانت مؤسسات حضارية متكاملة. ففي عكاظ تُوزن القصائد، وفي ذي المجاز تُعقد المواثيق، وفي مجنة تُطفأ نار الخصومات، وفي صحار ودبا كانت البحار تروي للعرب أخبار العالم، ويحمل التجار معهم بضائع الأمم وحكمتها.

وفي قلب هذه الحركة، كان العُماني حاضراً بهدوء الواثق. لم يكن صوته الأعلى، لكنه كان الكلمة التي يُطمأن إليها. لم يكن يحمل السيف أكثر مما يحمل ميزاناً لا يميل، وعهداً لا يُنقض. فالتجارة بالنسبة للعُماني لم تكن رحلة بحث عن الربح، بل كانت رسالة لبناء الثقة، لأن البحر علّمه أن السفينة لا تنجو إلا إذا وثق ركابها ببعضهم.

ولذلك، لم يكن غريبًا أن تذكر بعض الروايات التاريخية أدواراً للأزد العُمانيين في الوساطة والإصلاح بين القبائل في مواسم الأسواق، ومنها سوق مجنة، حيث كانت تنتهي خصومات، وتُطوى صفحات ثأر، وتبدأ صفحات جديدة من التفاهم. فكان التاجر العُماني وسيطًا قبل أن يكون بائعًا، وحكيمًا قبل أن يكون صاحب قافلة.

لقد أدرك العُمانيون مبكرًا أن الأمن هو رأس مال التجارة، وأن الطريق الآمن أثمن من البضاعة نفسها. لذلك بنوا علاقاتهم على الثقة، لا على الإكراه، وعلى المصالح المشتركة، لا على المغالبة. ولهذا وصلت سفنهم إلى موانئ بعيدة، ووصلت سمعتهم قبل سفنهم.

ولعل ما يلفت النظر أن هذه السيرة لم تنقطع. فما نراه اليوم من حضور عُماني في جهود الوساطة الإقليمية والدولية ليس وليد السياسة الحديثة، بل هو امتداد لذاكرة تاريخية طويلة. تغيرت أسماء الأسواق، وحلّت المؤتمرات محل مواسم القوافل، وأصبحت طاولات التفاوض بديلاً عن ساحات عكاظ ومجنة، لكن الفكرة بقيت واحدة: جمع المتخاصمين، وفتح الطرق، وصناعة الثقة.

إن الأمم لا تُعرف بما تملكه من قوة فحسب، بل بما تتركه من أثر في ذاكرة التاريخ. وإذا كان بعض الأمم قد خُلّد بفتوحه، فإن عُمان خُلّدت بقدرتها على فتح الموانئ قبل فتح المدن، وعلى بناء الجسور قبل بناء الأسوار، وعلى أن تجعل من التاجر رسولًا للسلام، ومن السفينة جسرًا للحضارات، ومن الكلمة الصادقة رأس مال لا تنقص قيمته مهما تغيرت الأزمنة.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن عُمان، قديماً وحديثاً، أنها لم تجعل الوساطة وظيفة سياسية، بل جعلتها جزءاً من شخصيتها الحضارية. فمن أسواق العرب القديمة إلى موائد التفاوض في عالم اليوم، بقيت الرسالة واحدة: أن السلام هو التجارة التي لا تعرف الكساد، وأن الثقة هي السلعة الوحيدة التي كلما أُعطيت ازدادت قيمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*