مقال | كيف تقرأ عُمان العالم؟.

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في السياسة الدولية، لا تعيش المفاهيم طويلًا على حالها. تتبدل أسماؤها، وتتغير خرائطها، وتُعاد صياغة أهدافها كلما تبدلت موازين القوى. من “طريق الهند” إلى “شرق السويس”، ومن “الاحتواء” إلى “الحرب على الإرهاب”، وصولًا إلى “الإندو-باسيفيك”، ظل العالم يصوغ عناوين جديدة للمنافسة الدولية، بينما بقيت الجغرافيا على حالها، وبقيت الدول مطالبة بأن تجيب عن سؤال واحد: كيف تتعامل مع هذه المفاهيم؟.

في التجربة العُمانية، لم يكن الانشغال منصبًا على قبول المفهوم أو رفضه، ولا على الانخراط في الجدل الذي يرافق ولادته. فالمفاهيم ليست قدرًا سياسيًا، ولا هي عقائد يجب الإيمان بها أو مقاومتها. إنها أدوات تنتجها القوى الكبرى لتنظيم مصالحها، بينما تبقى مسؤولية الدول الأصغر أن تعرف كيف تتحرك داخلها دون أن تفقد ذاتها.

ولهذا كان السؤال العُماني مختلفاً دائماً.

لم يكن: هل نقبل هذا المفهوم أم نرفضه؟.

بل كان: كيف نوظفه بما يحفظ السيادة، ويعزز الاستقرار، ويخدم المصلحة الوطنية؟.

ذلك هو الفارق بين دبلوماسية تنشغل بالشعارات، وأخرى تنشغل بالنتائج. فالتاريخ العُماني لم يُبنَ على مقاومة أسماء المشاريع الدولية، وإنما على قراءة ما وراءها من مصالح، ثم تحويل الجغرافيا إلى مصدر قوة، لا إلى ساحة صراع.

حين تنافست الإمبراطوريات على البحار، لم تغادر عُمان بحرها. وحين تغيرت خرائط التجارة، لم تتخل عن موقعها. وحين تعاقبت التحالفات، حافظت على استقلال قرارها. لم يكن ذلك حيادًا سلبيًا، بل إدراكًا عميقًا بأن الدول لا تختار الجغرافيا، لكنها تستطيع أن تختار الطريقة التي تدير بها هذه الجغرافيا.

واليوم، مع عودة المحيط الهندي إلى مركز الاهتمام العالمي، لا تواجه عُمان واقعًا جديداً بقدر ما تستعيد خبرة تاريخية قديمة. فالتنافس الدولي يتغير في أدواته، لكنه يعود إلى البحار نفسها، والممرات نفسها، والعقد الجغرافية نفسها التي أدرك العُمانيون أهميتها منذ قرون.

ولذلك فإن قوة المدرسة الدبلوماسية العُمانية لا تكمن في ملاحقة المفاهيم المتغيرة، وإنما في امتلاك معيار ثابت للحكم عليها: هل تزيد من قدرة الدولة على حماية سيادتها؟. هل تعزز أمن الإقليم؟. هل تفتح آفاقاً للتنمية والتجارة والاستقرار؟. فإن فعلت، أمكن توظيفها. وإن تعارضت مع هذه الثوابت، بقيت المصالح الوطنية هي البوصلة.

إن المفاهيم تأتي وتذهب، أما الدول التي تبني سياساتها على فهم التاريخ والجغرافيا معاً، فهي التي تبقى. وربما لهذا السبب، لم يكن السؤال العُماني يومًا عن اسم المشروع الدولي، بل عن كيفية تحويله من تحدٍ إلى فرصة، ومن موجة عابرة في السياسة الدولية إلى رافعة تخدم الإنسان والدولة، وتحفظ لعُمان مكانتها بوصفها صانعة توازن، لا طرفاً في الاستقطاب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*