أصفهان “إيران” – رويترز|
هزت الموجة الأولى من الانفجارات القباب والمآذن التاريخية في أشهر ميدان بمدينة أصفهان العريقة، وبعد يومين، استهدف قصف آخر وسط المدينة، وتسبب في تغطية أرضيات مجمع ملكي عمره 400 عام بالحطام.
هذه الانفجارات الناجمة عن غارات جوية إسرائيلية، وقعت يومي السابع والتاسع من مارس، هزت المعالم الأثرية في ميدان نقش جهان وقصر جهل ستون، وهما من أثمن المجمعات الثقافية في إيران. وبعد مضي أسبوعين، ظل صوت تهشم شظايا الجص والبلاط يسمع تحت الأقدام في بعض الأماكن.
وقال الحارس رسول موسوي، الذي كان رأسه لا يزال ملفوفا بالشاش جراء إصابته في الانفجار، “كانت هذه المباني بمثابة جزء منا”. واصطحب موسوي صحفيي رويترز في جولة داخل المتحف الذي يعمل فيه حارسا منذ 16 عاما. وقال “هذا المكان عزيز جدا على قلبي”.
ومن السطح، يمكن رؤية الهدف المقصود من القصف الذي وقع في التاسع من مارس آذار والذي يبعد أقل من 200 متر، وهو مبنى حاكم أصفهان الذي دمر جزئيا ولكنه كان أيضا خاليا فيما يبدو عندما تعرض للقصف.

وفي مارس ، قبل وقف إطلاق النار في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حصل صحفيو رويترز على فرصة نادرة لزيارة القصر وميدان نقش جهان والمناطق المحيطة به، بالإضافة إلى قصرين في طهران. وشاهدوا بأم أعينهم كيف ألحقت الحرب أضرارا بالمواقع التاريخية الإيرانية، بما في ذلك بعض المواقع المحمية بموجب معاهدة دولية تشرف عليها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). وفي المجمل، رأى صحفيو رويترز أضرارا في 11 مبنى تاريخيا.
وبالإضافة إلى ذلك، أكد خبراء يتتبعون تأثير الحرب على مواقع التراث العالمي وقوع أضرار في خط السكة الحديدية العابرة لإيران ومسجد جامع أصفهان، فضلا عن قلعة عمرها 1800 عام بالقرب من كهوف تعود لحقبة ما قبل التاريخ استوطنها البشر منذ 63 ألف عام.
وخلال عقدين من الحروب البرية والجوية التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان، لم تجد رويترز أي أمثلة على أضرار لحقت بمواقع التراث الثقافي المدرجة آنذاك في قائمة اليونسكو.
ولم ترسل اليونسكو فرقا بعد إلى المواقع المحمية المدرجة في قائمتها، واستخدمت فقط صور الأقمار الصناعية لتقييم الأضرار. وحتى الآن، تقول اليونسكو إنها تحققت من وقوع أضرار في سبعة مواقع في إيران، من بينها موقعان مدرجان على قائمتها الدولية، بالإضافة إلى أربعة مواقع ثقافية ذات أهمية وطنية وموقع ديني.
وقالت اليونسكو لرويترز إنه لم يستشرها أحد لا قبل الحرب ولا خلالها، لكنها أبلغت “جميع أطراف الصراع” بإحداثيات المواقع المهمة.

وقالت المنظمة الدولية “تدعو اليونسكو جميع أطراف الصراعات إلى احترام القانون الدولي، بما في ذلك حماية الممتلكات الثقافية، واتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع تضرر التراث الثقافي”.
وتراوحت الأضرار بين الزجاج المهشم والبلاط المكسور والجدران المتصدعة والأساسات المتزعزعة، وكان السبب الرئيسي هو موجات الصدمة الناتجة عن القصف والتي انتشرت بسرعة تفوق سرعة الصوت بنحو 20 مرة. ويقول ويس برايانت، وهو خبير سابق في تحديد الأهداف في سلاح الجو الأمريكي، إن هذه الموجات قادرة على إحداث أضرار جسيمة في المباني الواقعة على بعد كيلومتر تقريبا من موقع الانفجار.
وأقر الجيش الإسرائيلي باستهداف مكتب حاكم أصفهان، المجاور لمجمع القصر المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وذكر أنه قصف أيضا قاعدة تابعة للحرس الثوري الإسلامي، على بعد ما يزيد قليلا عن كيلومتر واحد عن المواقع التاريخية، في السابع من مارس.
وأفاد بيان صادر عن الجيش بأن “جيش الدفاع الإسرائيلي يعمل وفقا للقانون الدولي ويستهدف مواقع عسكرية فقط”. وأضاف البيان أن الضربات الإسرائيلية، بشكل عام، “استندت إلى معلومات استخباراتية موثوقة، وتحقق عملياتي، وإجراءات موافقة معتمدة، ومراجعة قانونية، عند الضرورة، ونفذت وفقا للقانون الدولي المعمول به”.

وتحدثت رويترز إلى ثمانية خبراء في علم آثار الشرق الأوسط والحفاظ على المواقع التراثية، والذين ذكروا أن التقارير تظهر تحولا واضحا في ممارسات الولايات المتحدة وأولوياتها في الاستهداف، بعيدا عن حماية المعالم التاريخية المعترف بها دوليا. ويأتي هذا التحول بعد عقدين من انتقادات واسعة النطاق وجهت إلى قاعدة عسكرية أمريكية أقيمت على أطلال مدينة بابل القديمة، ونهب متحف بغداد، مما دفع وزارة الدفاع (البنتاجون) إلى إعادة النظر في سياساتها المتعلقة بحماية المواقع الثقافية.
وقال برايانت إنه في الحروب الأحدث، كان يجب إدراج المعالم التاريخية في “قوائم حظر القصف”. وأضاف أن إلقاء القنابل على هذه المواقع أو بالقرب منها يتطلب ضرورة عسكرية ملحة، مثل حماية أرواح الجنود، وموافقة رفيعة المستوى، أحيانا حتى من البيت الأبيض.
وأكدت رويترز، من خلال زيارات ميدانية، أن من بين المواقع المتضررة قصر وبازار جلستان في طهران، وأربعة مواقع في ميدان نقش جهان في أصفهان، ومجمع جهل ستون. وقالت مهرنوش سروش، مديرة مركز المعالم القديمة في الشرق الأوسط، وهو منظمة تابعة لجامعة شيكاجو تتابع المواقع الثقافية المتضررة في إيران، إن فريقها أكد أيضا وقوع أضرار في مسجد أصفهان الجامع ومحطة قطار أنديمشك على خط السكة الحديدية العابرة لإيران، وهو مدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي ويربط بحر قزوين في الشمال الشرقي بالخليج.

وأكدت سروش واليونسكو أيضا وقوع أضرار جسيمة في قلعة فلك الأفلاك، وهي قلعة أثرية تقع في وادي خرم اباد غرب إيران. وتحققت رويترز من صور تظهر الأضرار التي لحقت بنوافذ القلعة.
وأصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات للإيرانيين في أوائل أبريل نيسان تطالبهم بتجنب القطارات، وقالت إسرائيل في بيانها لرويترز إن جسر سكة حديد قم تعرض للقصف لمنع إيران من نقل الأسلحة.
وقدم ممثل إيران لدى اليونسكو قائمة تضم 134 موقعا للتراث الثقافي، تقول طهران إنها تضررت جراء الحرب، إلى المنظمة التابعة للأمم المتحدة، وقدمها لرويترز أيضا. ورغم أن هذه المواقع ليست جميعها مدرجة على قائمة اليونسكو، فإنها من أشهر الوجهات السياحية في إيران، وتستقطب ملايين الزوار سنويا.
ومن بين المواقع المتضررة على قائمة اليونسكو، لم يتعرض سوى خط السكك الحديدية لضربة مباشرة. وميزت إيران بعضا من أبرز مواقعها ذات الأهمية الثقافية بدروع زرقاء عملاقة، بما في ذلك البازار في أصفهان، والقلعة في وادي خرم اباد، ومجمع سعد اباد الذي يضم نحو 18 قصرا تاريخيا في طهران. وهذه الدروع رمز معترف به دوليا يدل على وضعها المحمي باعتبارها تراثا ثقافيا.

وقال فرشيد إمامي الأستاذ المساعد في قسم تاريخ الفن بجامعة رايس في تكساس ومؤلف كتاب عن العمارة في أصفهان “إنه أمر لا يصدق. لم يخطر ببالي قط أن هذا قد يحدث. هذه ليست مواقع عسكرية حقا”.
وأحجم البنتاجون عن التعليق.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، مستخدمة الاسم العملياتي الذي أطلقته إدارة الرئيس دونالد ترامب على حربها على إيران، “ركزت عملية ملحمة الغضب على أهداف رئيسية هي تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتدمير منشآت إنتاجها، وإغراق أسطولها البحري، وإضعاف وكلائها، وضمان عدم امتلاكها سلاحا نوويا أبدا”.
وأضافت “على عكس إيران، لا تستهدف الولايات المتحدة المدنيين”.
“طفح الكيل”
تنص اتفاقية لاهاي لعام 1954، وهي معاهدة مخصصة لحماية التراث الثقافي، صراحة على حماية مواقع مثل تلك الموجودة في أصفهان خلال النزاعات المسلحة. ويعتبر استهداف المواقع الثقافية المدنية عمدا جريمة حرب بموجب القانون الدولي، ويجب المفاضلة بإمعان بين شن ضربات على أهداف قريبة وأي أضرار قد تلحق بها.
ويشمل تصنيف اليونسكو نسبة ضئيلة من المباني والمعالم ذات الأهمية الثقافية في أي بلد، وتولي بعض الدول اهتماما أكبر لإدراج معالمها رسميا لدى المنظمة. وتضم القائمة 27 موقعا في إيران، بينما يتراوح العدد بين 55 موقعا في إيطاليا وموقع واحد فقط في دول مثل أوغندا وكوستاريكا.

وفي العراق، كان أوضح مثال على الأضرار الناجمة عن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الضرر الذي لحق بمدينة بابل الأثرية، والتي أدرجت في نهاية المطاف على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 2019. واستخدمت قوات التحالف بابل قاعدة عسكرية خلال عامي 2003 و2004، حيث حفرت خنادق وأنشأت بنية تحتية أخرى في موقع كان قد تضرر بالفعل على أيدي قوات صدام حسين قبل وصول القوات الأمريكية. وتكبد العراق خسائر ثقافية أخرى نتيجة للقتال البري، مثل تدمير مدينة الموصل القديمة والنهب واسع النطاق للآثار عقب الغزو الأمريكي.
وسحب ترامب الولايات المتحدة من اليونسكو في عام 2017 ومرة أخرى في عام 2025، قائلا إنها تدعم “القضايا الثقافية والاجتماعية المثيرة للجدل والانقسام”. ويدخل قرار عام 2025 حيز التنفيذ في نهاية هذا العام.
وفي سوريا، في عام 2017، قصفت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة أسوار الرقة التي تعود إلى القرن الثامن، وذلك دعما للقوات البرية التي كانت تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية.
وقالت ستيفاني مولدر أستاذة الفن والعمارة الإسلامية بجامعة تكساس في أوستن “على الرغم من فداحة ذلك، فإنه يبدو وكأنه عصر ذهبي مقارنة بما يحدث الآن، إذ طفح الكيل ولا أحد يهتم”.

ومولدر من بين أكثر من 400 عالم وباحث وقعوا على رسالة بدأت بالانتشار في منتصف أبريل نيسان، وتندد بالأضرار التي لحقت بالمواقع الثقافية في إيران جراء الضربات الأمريكية والإسرائيلية. وقالت إسرائيل إن هجوما إيرانيا ألحق ضررا بالمدينة البيضاء في تل أبيب، وهي مجموعة من المباني الحديثة المتأثرة بمدرسة باوهاوس وتعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين ومدرجة أيضا على قائمة اليونسكو. وقالت المنظمة إنها تجري تحقيقا في الأمر.
وتجاهل وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث بشكل كبير قواعد الاشتباك العسكري، مؤكدا أن بلاده لن تظهر “أي رحمة” للعدو. وحذر ترامب في أبريل نيسان من أن “حضارة (إيران) بأكملها ستفنى” إذا لم توافق طهران على إنهاء الصراع. ولم يشر أي منهما بشكل مباشر إلى المواقع التراثية.
جوهرة ثقافية
حتى بمعايير إيران للأهمية التاريخية، تعتبر أصفهان جوهرة ثقافية، مما يجعلها موضع مقارنة بمراكز روما أو أثينا أو كيوتو.

وتضم أصفهان أيضا أحد المواقع النووية الإيرانية، وتقع وسط سهل شاسع في الهضبة الإيرانية المرتفعة، وتمتد على جانبي نهر زاينده، وهي كلمة فارسية تعني “المانح للحياة”. ويقسم النهر المدينة إلى قسمين هما القسم الشمالي القديم الذي يضم مواقع تاريخية، والأحياء الأكثر ثراء في الجنوب والتي تضم مجمعات سكنية أكثر حداثة.
وكانت المعالم الأثرية والمواقع التراثية المحيطة بميدان نقش جهان، بالقرب من قصر جهل ستون، أماكن مفضلة لتجمع السكان. والميدان، الذي تبلغ مساحته ما يعادل 14 ملعبا لكرة القدم، واحد من ثلاثة مواقع في المدينة مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وكما هو الحال في العديد من المدن الكبرى في إيران، شهدت أصفهان احتجاجات واسعة النطاق في وقت سابق من العام الجاري، نتيجة لتفاقم الغضب الشعبي إزاء الأوضاع الاقتصادية المتردية. وأدت المظاهرات إلى حملة قمع هي الأكبر منذ الثورة الإسلامية عام 1979، إذ خلفت آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين. وكانت رغبة ترامب في أن يطيح الإيرانيون بحكامهم من بين الأسباب التي ذكرت لإطلاق “عملية ملحمة الغضب” في أواخر فبراير.
وأظهرت لقطات تحققت منها رويترز أن بعض الاحتجاجات والاشتباكات في أصفهان مع القوات الحكومية وقعت في ميدان نقش جهان، وتم إغلاق البازار لفترة وجيزة خلال إضراب عام.
وفي السابع من مارس ، سقطت قنابل إسرائيلية على بعد 300 متر من جسر (سي وسه بل) الذي يعود تاريخه إلى 400 عام، ويعبر النهر، مستهدفة مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني. ومن بين هذه المواقع مجمع يقول سكان سابقون لأصفهان إنه كان يستخدم مركز احتجاز تديره هذه القوة العسكرية النخبوية. وأقر الجيش الإسرائيلي باستهداف القاعدة.
وقال شهود إنه عندما انهالت القنابل على الموقع التابع للحرس الثوري، وصل نطاق موجات الصدمة الناتجة عن الانفجارات إلى كيلومتر، وهزت ميدان نقش جهان.
وبعد يومين، في التاسع من مارس آذار، هز وابل جديد استهدف مقر الحاكم الميدان مجددا وكذلك مجمع قصر جهل ستون المجاور.

وكانت الساعة حوالي الثانية بعد الظهر، وكان موسوي، حارس الأمن المسن، ينهي نوبته في متحف الفنون الزخرفية، الذي كان في الأصل قصرا ملكيا من القرن السابع عشر داخل المجمع. لكنه قال إن “شعورا داخليا” بالقلق دفعه إلى البقاء في العمل في ذلك اليوم.
وبعد 10 دقائق فقط، حلقت طائرات فوق المكان، وأعقب ذلك انفجاران.
ودمر الطابق العلوي من مكتب الحاكم، الذي يبعد أقل من 200 متر، بالكامل تقريبا. ولم يصب الحاكم بأذى في الهجوم. ولم يسمح لرويترز بدخول المبنى، لكن فريقها التقى بالحاكم في مقهى بالبازار.
وعند مدخل المتحف، عرض موسوي على رويترز قطعا معدنية رمادية ملتوية، وصفها هو وموظفون آخرون بأنها شظايا من القنابل التي أصابت مكتب الحاكم. وتشبه الشظايا تلك التي شاهدتها رويترز في مجمع سعد اباد بطهران، وهو موقع يعود للقرن التاسع عشر تعرض للقصف في مارس.
ويقول خبيران سابقان من خبراء الاستهداف العسكري ولجنة الدرع الأزرق الأمريكية، وهي منظمة غير ربحية تدعو إلى حماية المواقع الثقافية في الحروب، إن المواقع التراثية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس، تدرج عادة على قوائم بالمواقع المحظور قصفها تعدها وتحدثها الوكالات العسكرية والاستخباراتية. وبموجب القانون الدولي، يجب أن تتناسب الميزة العسكرية المتوقعة من استهداف مكان قريب من موقع ثقافي أو تراثي مع أي أضرار جانبية محتملة.

وقالت باتي جيرستنبليث التي ترأس لجنة الدرع الأزرق الأمريكية “لا يوجد بلد معفى من الالتزام بتجنب استهداف مواقع التراث الثقافي”. ونظمت اللجنة تدريبات مع الجيش الأمريكي في الماضي لحماية المواقع الثقافية أثناء الحرب.
وقالت جيرستنبليث وخبراء آخرون إنه عند استعادة الموصل والرقة من تنظيم الدولة الإسلامية، أعدت لجنة الدرع الأزرق ومنظمات أخرى مواد تثقيفية وزعت على القوات المشاركة مسبقا. وأضافت أنه بدون مزيد من المعلومات، لا يمكنها الحكم على مدى كون الضربات في إيران تستحق من الناحية العسكرية.
وفي ميدان نقش جهان، أظهرت وثيقة أن تقييما أوليا أجرته الهيئة المختصة بالتراث في أصفهان خلص إلى أن القصف تسبب في أضرار هيكلية لأساسات المباني هناك. ولم يكن هناك سبيل للتحقق من هذه النتائج بشكل مستقل.
وقال إمامي، المؤرخ المعماري في جامعة رايس، إنه يتعين إجراء تحقيق أكثر شمولا لتأكيد أي أضرار هيكلية.
في قصر عالي قابو، هز القصف الذي وقع في أوائل مارس آذار شرفة تطل على الساحة الشاسعة، وقاعة الموسيقى، والنافورة الرخامية، و18 عمودا خشبيا. وأظهرت صور التقطها مسؤولون معنيون بالتراث ورويترز جدارا منهارا، وشقوقا في هيكل المبنى، وزجاجا محطما.
وأفاد التقييم الإيراني الأولي لقصر عالي قابو أن أكثر من 70 بالمئة من زجاج النوافذ والأبواب تهشم، وأن الجص في شرفتين انفصل عن الهيكل الرئيسي.
وقال علي بردبار، الذي ركض إلى خارج متجره الصغير للسجاد في البازار خلال القصف الذي وقع في السابع من مارس آذار، إن الانفجارات هزت مئذنتي مسجد الشاه الواقع في الطرف الجنوبي للميدان والذي يشتهر بقبته المزدوجة ومدخل على شكل قوس.
وأضاف بردبار “استغرق بناء هذا الموقع مئات السنين. وفي لحظة واحدة يمكن تدميره”.
وعندما زارت رويترز مسجد الشاه، الذي يقع ضمن مجمع ميدان نقش جهان، أحضر الموظفون كيسا مليئا بقطع من البلاط الأزرق الذي سقط. وأظهرت صورة مرفقة بالتقييم الإيراني للأضرار التي لحقت بمواقع التراث في أصفهان وجود شرخ في أحد جدران المسجد.
وقال أحد حرفيي نقش الفضة في البازار إن العواقب الاقتصادية الناجمة عن خسارة إيرادات السياحة بسبب الحرب مؤسفة على غرار النوافذ المحطمة أو الأضرار التي لحقت بالممتلكات.
وأضاف “لقد شلتنا هذه الحرب”.
وخلال اليومين اللذين زارت فيهما رويترز البازار لاحقا في أواخر مارس آذار، كانت الأزقة الرئيسية شبه خالية من الزوار باستثناء بعض الشبان الصغار الذين كانوا يجرون ويقودون الدراجات الهوائية في الممرات. وفي فترة ما بعد الظهر، بدأ الفنانون والموسيقيون عرض أعمالهم في السوق، وتوافد عدد قليل من الزوار.
ويتوخى الإيرانيون الحذر عند التحدث إلى الصحفيين الأجانب، خشية التعرض للاعتقال أو ما هو أسوأ. وعبر كثيرون عن حزنهم الشديد إزاء الأضرار التي لحقت بالمواقع التاريخية، بينما عبر آخرون عن آراء مختلفة بعض الشيء.
وقال سعيد، وهو شاب يبلغ من العمر 32 عاما يبيع حلوى النوجا في البازار، إن الغارات الجوية أدت لتحطم جميع النوافذ والزجاج في متجره المرتب بعناية. ومثل كثير من الإيرانيين، امتنع عن إبداء أي رأي محدد بشأن الحرب.
وقال “ننتظر نهاية سعيدة”.
“أصبت بصدمة”
في طهران، على مقربة من البازار القديم الشهير بالمدينة، يقع قصر جلستان، وهو مجمع ملكي عريق يعود إلى قرون مضت. وأشعل أصحاب المتاجر في البازار المتشعب شرارة الاحتجاجات التي انطلقت في ديسمبر من العام الماضي، وسرعان ما انتشرت إضرابات العمال من هذا القلب التاريخي للاقتصاد الإيراني إلى جامعات ومدن في شتى أنحاء البلاد. ثم تلا ذلك حملة قمع وحشية من الحكومة الإيرانية، أعقبها مقتل الزعيم الأعلى في بداية الحرب، وأسابيع من القصف.
وفي مساء الأول من مارس آذار، قصفت القوات الأمريكية والإسرائيلية المباني القضائية في طهران المجاورة للقصر القديم، الذي تحول إلى بحر من الحطام، مع تهشم الأعمال الفنية الخشبية وسقوط المرايا من السقف.
وتردد صوت طقطقة حاد في سقف القصر الضخم بينما كان صحفيو رويترز يخطون فوق شظايا الزجاج المتلألئة على الأرض. وعبرت اليونسكو، التي أدرجت القصر ضمن مواقع التراث العالمي، عن “قلقها” إزاء الأضرار التي لحقت بالموقع.
وكادت موظفة في مجال الآثار، عملت في القصر لما يقرب من 30 عاما، أن تبكي وهي تصف صباح اليوم التالي للهجمات.
وقالت، طالبة عدم الكشف عن هويتها “عندما دخلت إلى هنا، أصبت بصدمة، وتجمدت في مكاني وسط الزجاج”.
وفي قاعة العرش، أمسكت بردائها بإحكام حول رقبتها وقالت إن المكان تعرض لمعظم الضرر الناجم عن موجات الصدمة.
وعلى بعد أمتار قليلة، تحولت قاعة المرايا إلى بحر آخر من الزجاج الذي كان يزين جدران وأسقف وأعمدة الغرفة.
ولم يسمح لفريق رويترز بدخول الجزء الثالث من القصر، الذي ذكر موظفون أنه تضرر جراء الانفجارات خلال غارات الأول من مارس آذار. وأوضحوا أن هذه المنطقة محظورة لأنها مجاورة للمبنى الحكومي الذي استهدف بالهجمات الأمريكية الإسرائيلية، وهو مبنى تابع للسلطة القضائية في إيران.
وتشتهر السلطة القضائية في طهران بإصدار أحكام بالسجن لمدد طويلة وبالإعدام بحق الشبان والشابات الذين يتجرأون على معارضة النظام. ويبعد المبنى القضائي الذي تعرض للهجوم نحو 300 متر عن القصر.
وعندما زارت رويترز القصر في مارس آذار، بعد أسبوعين من تعرضه لهذا الدمار، كانت الموظفة تتجول في القاعات، مبدية خوفها من وجود أضرار غير مرئية حتى لعينها المدربة.
ولم تسفر الانفجارات عن مقتل أحد، لكن الموظفة ذكرت أن موظفين أصيبا بجروح طفيفة.
وبعد مرور 15 دقيقة، قالت فجأة إن الوقت حان ليغادر الجميع – وبسرعة. وهرعت إلى الأمام وأشارت إلى السقف قائلة إنه قد ينهار في أي لحظة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة