مقال | حين تتعب المدافع.. تتكلم عُمان

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في زمنٍ تتكاثر فيه الحروب كما تتكاثر العواصف فوق بحار العالم، وتتعثر فيه البشرية بين صراع القوى الكبرى واضطراب موازين النظام الدولي، يظل هناك من يؤمن أن الحكمة ليست ضعفاً، وأن الحوار ليس تنازلاً، وأن بناء الجسور أكثر بقاءً من تشييد المتاريس.

وسط هذا المخاض العالمي العسير، تبرز عُمان بوصفها صوت العقل في زمن الضجيج، وحارس التوازن في منطقة اعتادت أن تكون أول من يدفع ثمن التوترات الدولية وآخر من يجني ثمار الاستقرار.

لم يكن ما شهدته المنطقة خلال الأسابيع الماضية مجرد أزمة عابرة حول مضيق هرمز، ولا مجرد اختبار جديد للعلاقة الأمريكية الإيرانية، بل كان امتحاناً حقيقياً لقدرة الإقليم على الانتقال من منطق حافة الهاوية إلى منطق صناعة المستقبل. وفي قلب هذا المشهد كانت عُمان تمارس دورها التاريخي بصمت الواثق، لا بصخب الباحثين عن الأضواء.

لقد أدركت الدبلوماسية العُمانية، منذ عقود، أن الجغرافيا قدر، وأن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي تعبره السفن، بل شريان حياة للعالم بأسره. ومن هنا جاء حرصها الدائم على أن يبقى المضيق جسراً للتواصل لا ساحة للمواجهة، وممرًا للتجارة لا ميداناً للصراعات.

وإذا كانت المدافع قد سكتت اليوم، وإذا كانت السفن تعود تدريجياً إلى مساراتها الآمنة، وإذا كان الحديث يدور عن خطوط اتصال مباشرة وتفاهمات تضمن استدامة الأمن البحري، فإن وراء ذلك تراكماً طويلاً من الثقة التي بنتها عُمان مع الجميع، دون أن تكون خصمًا لأحد أو تابعًا لأحد.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن السياسة ليست صخب التصريحات، بل القدرة على تحويل الخصومات إلى حوارات، والأزمات إلى فرص، والمخاوف إلى تفاهمات. وهذا ما نجحت فيه عُمان حين تحولت من وسيط بين الأطراف إلى ضامن للتوازنات، ومن قناة اتصال إلى ركيزة استقرار إقليمي ودولي.

ولعل أجمل ما في المشهد الراهن أن المنطقة لا تتجه نحو هدنة مؤقتة فحسب، بل نحو إعادة صياغة مفهوم الأمن ذاته؛ أمن يقوم على المصالح المشتركة بدل التهديدات المتبادلة، وعلى الحوار بدل الاستنزاف، وعلى التنمية بدل الصراع.

إن الرسالة التي تبعثها مسقط اليوم إلى المنطقة والعالم هي أن الحكمة ما زالت قادرة على الانتصار، وأن الدول التي تستثمر في الثقة تحصد ما تعجز القوة عن تحقيقه، وأن المستقبل لا يصنعه أولئك الذين يرفعون أصواتهم أكثر، بل أولئك الذين يرون أبعد.

وفي عالم يبحث عن بصيص أمل وسط كثافة الأزمات، تبدو عُمان وكأنها تفتح نافذة جديدة على الغد، وتقول بلغة التاريخ والجغرافيا والحكمة المتوارثة: بعد كل عاصفة ميناء، وبعد كل ليل فجر، وبعد كل أزمة فرصة، وما دامت الإرادة الصادقة حاضرة، فإن خير المنطقة لم يعد مجرد أمنية، بل مشروعاً يتشكل أمام أعيننا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*