مقال | سياحة في كلمة: “أستاذ” بين المعجم والحياة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في اللغة، كما في المدن العتيقة، لا تكفي الخرائط القديمة وحدها لفهم الحاضر. قد تقف أمام زقاق لم يُذكر في سجل الرحالة الأوائل، لكنه اليوم يعجّ بالحياة، تتداخل فيه الأصوات والوجوه والروائح، حتى يغدو جزءًا من روح المكان لا يمكن إنكاره. هكذا هي الكلمات أيضاً؛ بعضها يولد في كتب اللغة، وبعضها الآخر يولد في أفواه الناس.

كلمة «أستاذ» واحدة من تلك الأزقة الحيّة في العربية.

يقف عند مدخلها فريق من اللغويين، يسألونها عن أصلها: من أين جئتِ؟. أأنتِ عربية خالصة أم دخيلة؟. ولماذا لم تُذكر في المعاجم الأولى؟. بل ويطالبونها، كما يُطالب الغريب في مدينة قديمة، أن تُبرز أوراقها الصرفية: على أي وزن جاءت؟. ومن أي جذر انبثقت؟.

لكن الكلمة، في هدوء الواثق، لا تجيب من دفاتر النحو، بل من ذاكرة الاستعمال.

لقد عاشت «أستاذ» قرونًا في العربية، تدرّست في حلقات العلم، ونُودِي بها في الجامعات، واستقرت في الوجدان الجمعي بوصفها عنوانًا للمعرفة والتمكن. لم تعد غريبة، حتى وإن كانت في أصلها وافدة. فاللغة، في حقيقتها، ليست حدودًا مغلقة، بل ميناء مفتوح، ترسو فيه السفن، وتغادر، وتترك أثرها في نسيج المكان.

هنا يبرز السؤال الأعمق: هل تُقاس شرعية الكلمة بأصلها، أم بحياتها؟.

المدرسة المعجمية التقليدية تميل إلى الاحتكام إلى النصوص الأولى، إلى ما سُمِع من العرب الفصحاء، وإلى ما دوّنته المعاجم. وهذا منهج له وجاهته؛ فهو يحفظ للغة نظامها ويمنع تسيّبها. غير أن الاكتفاء به وحده يشبه الاكتفاء بخرائط القرون الماضية لقراءة مدينة حديثة؛ صحيح أنه يمنحنا الجذور، لكنه لا يفسر التحولات.

في المقابل، يأتي صوت آخر، أكثر انفتاحاً، يرى أن اللغة كائن حي، يتنفس ويتغير، وأن الكلمات تكتسب شرعيتها من الاستعمال، لا من النسب وحده. فكم من لفظة كانت يومًا غريبة، ثم أصبحت من صميم اللغة، حتى نسي الناس أصلها.

غير أن الدفاع عن «أستاذ» لا ينبغي أن يُبنى على كل الحجج. فبعض مناصريها يذهبون إلى تأويلات صوتية، يربطون فيها بين حروف الكلمة ودلالتها، وكأن الأصوات تحمل المعنى في ذاتها. وهذه محاولة أقرب إلى الذوق منها إلى العلم، إذ إن العلاقة بين الصوت والمعنى في اللغات، في غالبها، ليست علاقة حتمية.

الأقوى من ذلك كله هو التاريخ: تاريخ الاستعمال، والاستقرار، والقبول الجمعي.

ومع ذلك، فإن المفارقة التي تستحق التوقف، هي تلك الازدواجية التي أشار إليها بعض الكتّاب: كيف نتحفظ على كلمة مستقرة مثل «أستاذ»، بينما نفتح الأبواب على مصاريعها لألفاظ طارئة، من قبيل “الترند” و”الدوبلير” و”السوسيولغوي”، رغم وجود بدائل عربية راسخة؟. هنا لا تكون المشكلة في الاقتراض اللغوي ذاته، بل في غياب معيار واضح يميز بين الحاجة والتكلف.

إن اللغة ليست ساحة صراع بين “الأصيل” و”الدخيل”، بل فضاء توازن دقيق بين الجذر والتحول. الكلمة التي تدخل اللغة وتستقر وتؤدي وظيفة لا غنى عنها، تصبح – بمرور الزمن – جزءاً من هويتها، مهما كان أصلها. أما الكلمة التي تُستعار لمجرد الزينة أو الادعاء، فسرعان ما تذبل، لأنها لم تجد لها مكانًا حقيقيًا في نسيج التعبير.

في نهاية هذه الرحلة، لا تبدو «أستاذ» بحاجة إلى شهادة نسب، بقدر حاجتها إلى الاعتراف بما أصبحت عليه: كلمة عربية في الاستعمال، وإن لم تكن عربية في الميلاد. وكما أن المدن لا تُعرَف بأصول سكانها فقط، بل بما يصنعونه فيها من حياة، كذلك الكلمات لا تُقاس بجذورها وحدها، بل بما تتركه في اللسان من أثر.

وهنا، ربما، تبدأ سياحتنا الحقيقية في اللغة: حين نكفّ عن سؤال الكلمات من أين جاءت، ونبدأ بسؤالها ماذا أصبحت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*