مقال | السمت العُماني وأصالة الأعياد.. هويةٌ تُنعش السياحة وتدعم الاقتصاد

د. ناصر بن علي الجهوري|

تتميّز سلطنة عُمان بخصوصية حضارية متجذّرة، استطاعت عبر قرون أن تحافظ على هويتها الثقافية، وأن تقدّم نموذجاََ متوازناََ يجمع بين الأصالة والتحديث.

ومن أبرز مظاهر هذه الهوية السمت العُماني؛ ذلك السلوك المجتمعي، والذوق الرفيع، والالتزام بالقيم، والاحترام المتبادل، والبساطة التي انعكست على تفاصيل الحياة اليومية، وفي مقدمتها الأعياد والمناسبات الاجتماعية.

فالعيد في عُمان هو مشهد حضاري متكامل تتجلّى فيه القيم الاجتماعية والدينية والإنسانية. تبدأ ملامحه منذ الأيام التي تسبق العيد، حيث تنشط الأسواق، وتُزيَّن البيوت، وتُحضَّر الأكلات الشعبية، وتُبعث رسائل التراحم والتواصل، لتتحول المناسبة إلى حالة مجتمعية نابضة بالمحبة والانتماء.

وفي القرى والمدن العُمانية، ما زالت العديد من مظاهر العيد الأصيلة حاضرة بقوة؛ كالتزاور، والعزائم الجماعية، وارتداء الأزياء العُمانية، وإقامة الفنون الشعبية، وتبادل الهدايا، واحترام الكبير. وهي ممارسات تعبّر عن التقاليد، وتؤكد عمق البنية الاجتماعية العُمانية القائمة على الترابط والتكافل.

ولعل ما يلفت الانتباه أن هذه المظاهر الأصيلة أصبحت تمثّل رافداً مهماً للجذب السياحي، خصوصاََ في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالسياحة الثقافية والتجارب الإنسانية الحقيقية.

إن السائح عندما يزور عُمان خلال مواسم الأعياد يعيش تجربة ثقافية متكاملة؛ يرى فيها الكرم العُماني، ويستمع للفنون التقليدية، ويتذوق الأطعمة المحلية، ويلاحظ الأمن والاستقرار والنظام الاجتماعي الراقي. وهذه التجربة تُسهم في تعزيز الصورة الذهنية الإيجابية عن سلطنة عُمان على المستوى الدولي.

وقد تجلّى ذلك في المحتوى الذي نشره عدد من رواد وسائل التواصل الاجتماعي العرب وغيرهم خلال عيد الأضحى المبارك، حيث عكست الصور والمشاهد المتداولة جمال الاحتفالات وأصالة القيم العُمانية.

ومن الجانب الاقتصادي، فإن مواسم الأعياد تنعكس على الحركة التجارية والسياحية، حيث تنشط الأسواق التقليدية والمجمعات التجارية، وتزداد الحجوزات الفندقية، وترتفع حركة النقل والسفر، وتتحرك قطاعات المطاعم والأسر المنتجة. كما تمثل الأعياد فرصة لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، خصوصًا المرتبطة بالمنتجات التراثية، والعطور، والبخور، والحلويات، والأزياء التقليدية.

وتكمن القيمة هنا في أن الاقتصاد العُماني يستطيع أن يستثمر الهوية الوطنية بطريقة ذكية ومستدامة، بحيث تتحول الثقافة والتراث والعادات الأصيلة إلى عناصر اقتصادية منتجة، دون أن تفقد معناها الاجتماعي والإنساني. فالدول التي نجحت عالميًا في القطاع السياحي جمعت بين تطوير البنية الأساسية واستثمار قوة الهوية وخصوصية التجربة.

ومن المهم تعزيز حضور الأعياد في البرامج السياحية والثقافية والإعلامية بما يُبرز ثراء المجتمع العُماني.

إن الحفاظ على السمت العُماني وأصالة الأعياد هو استثمار في المستقبل؛ لأن الأمم التي تعرف كيف تحافظ على هويتها، هي الأقدر على بناء اقتصاد مستدام، وصناعة صورة دولية محترمة، وتحقيق تنمية متوازنة تجمع بين الإنسان والمكان والثقافة.

وفي زمن تتشابه فيه الكثير من المجتمعات، تبقى عُمان مختلفة بهدوئها، وأخلاق أهلها، وأصالة تفاصيلها، وعمق رسالتها الحضارية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*