مقال| في معنى التهديد وفقدان الاتزان السياسي

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتداخل فيه الملفات الجيوسياسية، لا تُقاس قوة الدول فقط بترساناتها العسكرية أو حجم اقتصادها، بل بمدى اتزان قراراتها وقدرتها على إدارة التوتر بعقلانية استراتيجية. فصناعة القرار، في جوهرها، ليست مجرد رد فعل، بل هي انعكاس لنضج المؤسسات وتماسك الرؤية الوطنية.

حين تتراجع هذه العقلانية، وتختلط أولويات الأمن القومي بالاعتبارات الشخصية أو اللحظية، يصبح المشهد الدولي أكثر هشاشة وأقل قابلية للتنبؤ. وهذا ما يثير القلق في أنماط من الخطاب السياسي تميل إلى التهديد المباشر أو التصعيد غير المحسوب، حتى تجاه أطراف عُرفت تاريخياً بدورها المتزن والمُهدّئ.

في هذا السياق، تبرز سلطنة عُمان كنموذج راسخ في الدبلوماسية الهادئة. فقد استطاعت، عبر عقود، أن تحافظ على مسافة متوازنة من مختلف الأطراف، وأن تلعب دور الوسيط الموثوق في أكثر الملفات تعقيداً. هذا النهج لم يكن ظرفياً، بل تعبيراً عن رؤية سياسية تؤمن بأن الاستقرار الإقليمي لا يُبنى بالقوة، بل بالحوار والتوازن.

إن أي خطاب يتضمن تهديداً لدول تؤدي هذا الدور الوسيط، لا يقتصر أثره على العلاقة الثنائية، بل يمتد ليطال منظومة الاستقرار الإقليمي بأكملها. فإضعاف الوسطاء يعني تضييق مساحات الحوار، وفتح المجال أمام مزيد من التصعيد وسوء التقدير.

المعضلة الحقيقية لا تكمن في تصريح عابر، بل في تحوّل هذا النمط من الخطاب إلى حالة مألوفة داخل دوائر صنع القرار. فحين تصبح الفوضى الإدراكية جزءاً من المشهد، تتآكل الثقة الدولية، ويصبح الحلفاء قبل الخصوم في دائرة القلق والترقب.

في المحصلة، يظل السؤال قائماً: هل يمكن للنظام الدولي أن يحافظ على توازنه في ظل تراجع العقلانية في بعض مراكزه المؤثرة؟. أم أن العالم يتجه نحو مرحلة تُعاد فيها صياغة مفهوم القوة، بحيث تتقدم الحكمة على الاندفاع، ويُعاد الاعتبار لدور الوسطاء كصمّام أمان لا غنى عنه؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*