د. قاسم بن محمد الصالحي |
في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من جيوش وقدرات عسكرية، بل بما تمتلكه من قدرة على منع الانهيار حين تدفع العواصف الجميع نحو الحافة. فالتاريخ لا يتذكر فقط من أشعل الحروب، بل يتذكر أيضاً من حاول أن يفتح نوافذ للحوار عندما أُغلقت الأبواب، ومن اختار لغة العقل حين ارتفعت أصوات المدافع.
اليوم يقف مضيق هرمز أمام اختبار جديد، ليس بوصفه ممراً مائياً مهماً للطاقة والتجارة العالمية فحسب، بل باعتباره رمزاً لصراع أوسع بين منطق القوة ومنطق التفاهم. فالمشهد لا يتعلق فقط بسفن تعبر المياه، وإنما بأسئلة أكبر حول طبيعة النظام الأمني في الخليج: هل يُبنى على الاحتواء والمواجهة، أم على الشراكة والاعتراف المتبادل بالمصالح والهواجس؟.
في هذا السياق، تأتي الرؤية العُمانية التي عبّر عنها معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، حين أشار إلى أن دول الخليج تعيش تداعيات حرب لم يكن لها ما يبررها، وأن سياسة الاحتواء التي استمرت لعقود لم تحقق الأمن المنشود. هذه القراءة لا تنطلق من موقف انحياز لطرف على حساب آخر، بل من إدراك سياسي بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقيم بإقصاء أي طرف من أطرافها، ولا بإدارة شؤونها من خارج جغرافيتها.
إن الرسالة العُمانية الأساسية تتمثل في أن الخليج يحتاج إلى الانتقال من مفهوم الأمن القائم على الخوف من الآخر إلى مفهوم الأمن القائم على إدارة الاختلاف مع الآخر. فإيران جزء من الجغرافيا السياسية للمنطقة، كما أن الدول العربية الخليجية جزء من هذه المنظومة، وأي ترتيب أمني دائم لا يمكن أن ينجح إذا تجاهل الحقائق الجغرافية والتاريخية.
لقد أكدت مسقط مسؤوليتها الخاصة في العمل مع إيران والمجتمع الدولي للوصول إلى ترتيبات عملية وقانونية تضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز. وهذه المسؤولية لا تعني امتلاك حل سحري للأزمة، وإنما امتلاك منهج مختلف يقوم على بناء الثقة، وتخفيف التوتر، وتحويل نقاط الخلاف إلى مساحات تفاوض.
الدبلوماسية العُمانية لا تقدم نفسها كبديل عن مصالح الدول، ولا تتجاهل حسابات القوة في عالم السياسة، لكنها تحاول أن توازن بين سياسة المصالح وسياسة الأخلاق. فالمصالح ضرورية لبقاء الدول، لكن الأخلاق هي التي تمنح السياسة مشروعيتها الإنسانية. القوة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تبني استقراراً دائماً إذا بقيت مشاعر الإقصاء والتهديد قائمة.
إن الردود العقلانية في الأزمات لا تعني الضعف، كما أن ضبط النفس لا يعني غياب القدرة. أحياناً تكون الحكمة السياسية هي أعلى أشكال القوة، لأن منع حرب واسعة قد يكون أكثر صعوبة من خوضها. فالحروب تبدأ غالباً بقرارات حاسمة، لكنها تنتهي عادة بعد أن يدفع الإنسان ثمن أخطاء الحسابات السياسية.
إن مستقبل الخليج لا ينبغي أن يُكتب بلغة الصواريخ والتهديدات، بل بلغة المصالح المشتركة، وحرية الملاحة، والتنمية، والتعاون بين الشعوب. فالممرات البحرية التي تعبرها التجارة العالمية ليست ملكاً للحروب، وإنما شرايين للحياة الإنسانية والاقتصادية.
لقد كشفت الأزمات المتعاقبة أن الأمن الحقيقي لا يصنعه طرف واحد، وأن استقرار منطقة حيوية كالخليج لا يمكن أن يكون نتيجة غلبة طرف على آخر، بل نتيجة صيغة يشعر فيها الجميع بأن أمنهم محفوظ وكرامتهم مصانة.
وهنا تكمن قيمة النهج العُماني: ليس في محاولة إلغاء الخلافات، بل في إدارة الخلافات بعقلانية؛ وليس في البحث عن منتصر ومهزوم، بل في منع تحول المنطقة إلى ساحة يدفع فيها الإنسان العادي ثمن صراعات الكبار.
في عالم تتقدم فيه سياسة القوة، تبقى الحاجة قائمة إلى سياسة الحكمة. وربما يكون أعظم انتصار في هذه المرحلة ليس من يفرض شروطه على الآخر، بل من ينجح في تحويل لحظة الخطر إلى فرصة لبناء نظام أكثر عدلاً وتوازناً وإنسانية.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة