د. ناصر بن علي الجهوري |
يُعدُّ توثيق التاريخ الاجتماعي في سلطنة عُمان ضرورة وطنية وثقافية، فهو مشروع حضاري يحفظ الذاكرة الجمعية، ويعزز الهوية الوطنية، ويمنح الأجيال القادمة فرصة لفهم جذورها وتحولات مجتمعها.
فالأمم لا تُقاس فقط بما شيّدته من عمران، بل بما حفظته من قصص الناس وتفاصيل حياتهم وأنماط عيشهم وعاداتهم ولهجاتهم وأفراحهم وتحدياتهم اليومية.
لقد امتلكت عُمان عبر تاريخها الطويل ثراءً اجتماعياً وإنسانياً فريداً، تشكل من تنوع البيئات الجغرافية وعمق العلاقات المجتمعية وارتباط الإنسان العُماني بالأرض والبحر والمجتمع. ويُعد التاريخ الاجتماعي أحد أهم عناصر بناء الهوية الوطنية التي تستمد منها الأجيال قيم الأصالة والعمل والتعاون.
ومن هنا، فإن توثيق التاريخ الاجتماعي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب من المؤسسات الحكومية والخاصة والجامعات والمدارس والجمعيات الثقافية ووسائل الإعلام أن تجعله مشروعًا مستداماً.
فالإعلام الوطني قادر على تحويل القصص الإنسانية القديمة إلى محتوى حي ومؤثر، كما تتيح المنصات الرقمية إعادة تقديم هذا التاريخ بأساليب إبداعية جاذبة للأجيال الجديدة.
ويمكن تحقيق ذلك عبر إنتاج الأفلام الوثائقية والبودكاست والمقابلات مع كبار السن وسرد القصص الشعبية وعرض الصور القديمة بشروحات توثيقية، إضافة إلى أرشيف رقمي مفتوح يحفظ ذاكرة المجتمع.
أما في جانب الحِرف العُمانية، فإن الحاجة أصبحت أكثر إلحاحاً لتوثيقها بطريقة تتجاوز الصور التقليدية إلى توثيق روح الحرفة نفسها؛ أي الإنسان الذي مارسها والبيئة التي نشأت فيها والقيم التي حملتها. فالحرف مدارس أسهمت في بناء الاقتصاد المحلي وتعزيز الاعتماد على الذات.
ومن المقترحات المهمة إنشاء منصة وطنية رقمية تفاعلية توثق الحرف العُمانية بالوسائط الرقمية والخرائط الجغرافية، وإدخال التوثيق المجتمعي في المبادرات الطلابية، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي لإعادة بناء الأسواق والحرف القديمة بصيغة رقمية تفاعلية.
وتمتد أهمية توثيق التاريخ الاجتماعي لتشكل رافداً مهماً للتنمية السياحية والاقتصادية، فالسياحة لم تعد تعتمد على المشاهد الطبيعية وحدها، بل على التجربة الإنسانية والهوية المحلية المميزة.
وعندما يتم توثيق الحِرف والأسواق القديمة والتفاصيل الاجتماعية بأسلوب احترافي وجاذب، فإن ذلك يوجد منتجات ثقافية وسياحية جاذبة، ويفتح المجال أمام الصناعات الإبداعية والمشروعات المرتبطة بالمحتوى الثقافي.
كما يسهم الاستثمار في التاريخ الاجتماعي في تنشيط الاقتصاد المحلي من خلال دعم الحرفيين وتحفيز ريادة الأعمال الثقافية وتوسيع الصناعات التراثية وتعزيز المتاحف والأسواق التقليدية بما يحقق قيمة اقتصادية مستدامة.
إن توثيق التاريخ الاجتماعي استثمار طويل الأمد في الوعي الوطني والذاكرة المجتمعية والتنمية. فالمجتمعات التي تحفظ تاريخها الاجتماعي تحفظ شخصيتها وتبني مستقبلها بثقة أكبر وتمنح أبناءها شعوراً أعمق بالانتماء والاستمرارية.
وعُمان، بما تمتلكه من إرث حضاري وإنساني عريق، تستوجب مشروعاً وطنياً متكاملاً يجعل من توثيق التاريخ الاجتماعي جزءاً من رؤيتها الثقافية والتنموية، حتى تبقى تفاصيل الإنسان العُماني حاضرة في الذاكرة ومُلهمة لمستقبل التنمية.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة