مقال | حين يمشي الوطن بين أهله

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لم تكن زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى محافظة شمال الشرقية ومحافظة جنوب الشرقية، حدثاً عابراً في روزنامة الدولة، بل كانت لحظة نادرة يتجسّد فيها الوطن، لا بوصفه فكرة تُدرّس، بل ككائن حيّ يمشي بين أهله، ينصت لنبضهم، ويستعيد معهم معنى الانتماء.

في تلك المشاهد التي اصطف فيها الناس على اختلاف أعمارهم ومشاربهم، لم تكن الحشود تبحث عن رؤية القائد فحسب، بل كانت ترى في حضوره امتداداً لها، ومرآة تعكس صورتها الجمعية. الأطفال الذين لوّحوا ببراءتهم، والشيوخ الذين حملوا ذاكرة المكان، والشباب الذين يمثلون أفقه القادم؛ جميعهم التقوا في لحظة واحدة، كأنهم يقولون دون كلمات: هذا نحن، وهذا وطننا حين يكتمل.

كان المشهد أعمق من استقبال، وأصدق من احتفاء؛ كان حواراً صامتاً بين قائد وشعب، تُختصر فيه المسافات، وتُلغى فيه الحواجز. حين يكون القائد بين الناس، لا فوقهم، فإنه لا يدير الدولة فقط، بل يعيد صياغة معناها. عبارة “أنا معكم، بينكم، أستمع إليكم”، لم تكن مجرد رسالة، بل كانت فعلاً حيّاً يُمارَس على الأرض، يزرع الطمأنينة، ويُعيد ترتيب العلاقة بين المواطن والوطن على أساس القرب والثقة.

في تلك اللحظات، لم تعد الهوية الوطنية شعاراً يُرفع، بل إحساساً يُعاش. هوية تتشكل في النظرات، وتترسخ في المصافحة، وتكبر في الشعور بأن هذا الوطن ليس مكاناً نعيش فيه، بل كياناً يعيش فينا.

هكذا، حين يمشي القائد بين أهله، لا يقترب منهم فقط، بل يُقرب الوطن من قلوبهم أكثر. وفي هذا القرب، تولد الحكاية الأصدق: أن عُمان، بكل ما فيها، ليست مجرد أرض.. بل علاقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*