مقال | على حافة الضجيج.. حين يتكلم الواقع بصوت خافت

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في المقهى الصغير المطلّ على شارع مزدحم، كان الجميع يتحدثون عن الحرب، لكن أحداً لم يكن يتحدث عن الحقيقة. تتطاير الكلمات كشررٍ خفيف: خيانة، مؤامرة، نصر، هزيمة.. عناوين كبيرة تُقال بثقة، كأنها حقائق لا تقبل النقاش. وحده الرجل العجوز في الزاوية كان صامتاً، يراقب، وكأنه يرى ما لا يُقال.

اقترب شاب متحمّس، جلس قبالته، وبدأ يسرد روايته المكتملة عن الصراع: من الظالم ومن المظلوم، من بدأ ومن سينتهي. ابتسم العجوز ابتسامة خفيفة، وقال: “كل هذا جميل.. لكن أين الواقع؟”.

توقف الشاب. لم يفهم السؤال.

أشار العجوز إلى الشارع: “انظر هناك.. سائق يحاول أن يعبر الزحام، لا يهمه من ربح ومن خسر. أمٌّ تسحب طفلها بعيداً عن الضجيج، لا تسأل عن الشعارات. الواقع يا بنيّ لا يشبه ما يُقال.. بل ما يُدفع ثمنه.”

في الخارج، كانت المدينة تمضي كعادتها، بينما في الداخل يستمر النقاش، كلٌ متمسك بروايته، وكأن الحقيقة قطعة أرض يجب الدفاع عنها، لا لغزًا يجب فهمه.

الصراع في منطقتنا لم يعد فقط ما يحدث على الأرض، بل ما يحدث في العقول. نحن لا نرى الوقائع كما هي، بل كما نريدها أن تكون، نُلبسها معتقداتنا، ونمنحها يقيناً مريحاً، حتى لو كان مضلّلاً. وهنا تكمن المشكلة: حين يتحول التحليل إلى تصديق، والرأي إلى عقيدة.

نهض العجوز، دفع حسابه، وقبل أن يغادر قال: “الحقيقة لا تصرخ.. لكنها موجودة، تنتظر من يهدأ ليسمعها.”

بقي الشاب صامتاً هذه المرة. لأول مرة، لم يكن لديه جواب جاهز.

وفي مدينة تعجّ بالضجيج، ربما كان الصمت.. بداية الفهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*