مقال| مسجد المساقة… أيقونة الأنواء المناخية ومنصة للاستثمار الابتكاري

د. ناصر بن علي الجهوري|

يُعدّ مسجد المساقة بقرية الحيلين بوادي الجهاور في ولاية السويق شاهداً حياً على رسوخ القيم، وتجسيداً لروح التكاتف التي شكّلت ملامح المجتمع العُماني. وفي ذروة الأنواء المناخية، برز المسجد كأيقونةٍ تختصر حكاية مجتمع تتجلّى قيمه في أسمى صورها.

مع اشتداد تأثيرات منخفض المسرّات، وغزارة الأمطار وتدفّق الأودية، كان المشهد اختباراً قاسياً لقدرة الإنسان والمكان. غمرت المياه المنازل وغطّت قبة المسجد في صورة مهيبة جمعت بين رهبة الطبيعة وعمق الإيمان. ومع ذلك، بقي المسجد شامخاً، مجسّداً قصة تتجاوز الحجر إلى القيم، وتجسّد امتداداً حياً لروح المجتمع العُماني المتجذّرة في التآزر.

تحوّل مسجد المساقة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى رمز بصري ملهم. تناقلته المنصات كدلالة على أن القيم الراسخة لا تُغمر، وأن ما يُبنى على الإخلاص يبقى. قدّم الموقف رسالة بليغة: الهوية الحقيقية تُختبر في الأزمات وتزداد حضوراً في لحظات التحدي.

موازاةً للأثر الرمزي، أعاد الحدث إبراز أهمية التلاحم المجتمعي. تكاملت الجهود الرسمية والأهلية في مشهد يعكس عمق الانتماء والمسؤولية المشتركة. الأزمات تتجلّى هنا كلحظات كاشفة تعيد ترتيب الأولويات وتبرز أفضل ما في تماسك المجتمع وتكافله.

غير أن هذه القصة لا يجب أن تبقى في حدود الذاكرة. يمكن تحويلها إلى فرصة تنموية واعدة. فالموقع يمتلك مقومات تجربة سياحية متكاملة، تجمع القصة الإنسانية والبعد الديني والحدث الاستثنائي، وهي عناصر من ركائز السياحة الحديثة القائمة على تجربة المكان. وقد نجحت تجارب عالمية في تحويل مواقع الكوارث إلى وجهات معرفية وسياحية. كما في اليابان، حيث تُوثّق الأحداث وتُقدّم في إطار تعليمي وإنساني يعزز الوعي ويثري تجربة الزائر.

ومن هذا المنطلق، يمكن تطوير محيط المسجد ليصبح متحفاً مفتوحاً يوثق الحدث ويقدمه بصورة مبتكرة. يشمل ذلك تحديد مستوى المياه بعلامات بصرية، وتوظيف تقنيات العرض التفاعلي، وتحسين المشهد العام عبر الإضاءة والتشجير والممرات. كما يمكن إضافة مرافق خفيفة تعزز تجربة الزائر، وتمكين الحرفيين والأسر المنتجة، وفتح مجالات للشباب في الإرشاد السياحي وإدارة الفعاليات.

ويتسق هذا التوجه مع التجارب الدولية التي تؤكد أن السياحة الثقافية والتراثية من أسرع القطاعات نمواً. فهي تساهم مباشرة في تنشيط الاقتصاد المحلي وإيجاد فرص العمل، خصوصاً في البيئات الريفية ذات القصص الأصيلة القابلة للتحول إلى قيمة مضافة.

نجاح هذا المسار يتطلب رؤية متكاملة توازن بين قدسية المسجد، والبعد الاجتماعي، والتوظيف التنموي المستدام، لضمان الحفاظ على هوية المكان وتعظيم أثره.

إن مسجد المساقة، بما يحمله من رمزية عميقة وقصة إنسانية مؤثرة، يمثّل نموذجاً وطنياً ملهماً يمكن أن يُحتذى به في مواقع أخرى مثل الحشاه في الرستاق. فهو لا يجسّد قوة البناء فحسب، بل قوة الإنسان في تحويل المحن إلى بدايات، وصوغ الذاكرة لتصبح مشروع حياة نحو مستقبل أكثر ازدهاراً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*