د. قاسم بن محمد الصالحي|
في أزمنة الاضطراب، تبدو منطقتنا وكأنها تعيش فصلاً من حكاية قديمة؛ حكاية المارد الذي خرج من القمقم. ففي لحظة توتر أو حسابات خاطئة يُفتح الغطاء، فتندفع قوى الصراع إلى السطح، وتتحول أدوات الضغط المحدودة إلى موجات من التصعيد المتبادل. وحينها يكتشف الجميع أن إطلاق المارد كان أسهل بكثير من إعادته إلى مكانه.
المشهد الإقليمي اليوم يحمل الكثير من هذه الدلالات. تصعيد عسكري هنا، وتوتر سياسي هناك، وخطابات متقابلة تتغذى على لغة الانفعال أكثر مما تستند إلى منطق الحكمة. ومع كل جولة جديدة من التصعيد تتسع دوائر القلق؛ فالممرات البحرية تضطرب، والأسواق تترقب، والمجتمعات تعيش على إيقاع الخوف من أن تتحول شرارة صغيرة إلى حريق واسع.
غير أن دروس التاريخ تقول إن الحروب في منطقتنا نادراً ما تنتهي بانتصار حاسم، بل تنتهي غالباً بتسويات كان يمكن الوصول إليها قبل أن تُستنزف الطاقات وتُرهق الأوطان. ولهذا فإن الحكمة السياسية الحقيقية لا تكمن في كسب جولة صاخبة، بل في القدرة على منع الانزلاق إلى معركة طويلة لا يخرج منها أحد رابحاً.
إعادة الاستقرار إلى المنطقة لا تحتاج إلى معجزات، بل إلى إرادة تعقل تدرك أن الجغرافيا قدر مشترك، وأن الأمن لا يُبنى على حساب الآخرين، وأن التنمية لا تزدهر في ظل القلق الدائم. من هنا تصبح الدبلوماسية الهادئة، وقنوات الحوار المفتوحة، أدوات أساسية لإطفاء الحرائق قبل أن تتحول إلى مواجهات أوسع.
وفي المقابل، يبقى وعي المجتمعات عنصراً لا يقل أهمية. فالكلمة قد تشعل توتراً كما قد تطفئه، والخطاب المتزن قادر على كبح موجات الاستقطاب التي تُغذي الصراعات.
في نهاية المطاف، لا أحد في هذه المنطقة يملك ترف الفوضى. فالأوطان التي تعبت من الحروب تدرك أن المستقبل لا يُبنى على ضجيج المدافع، بل على هدوء الحكمة. ولذلك تبقى المهمة الكبرى اليوم هي إعادة المارد إلى القمقم، قبل أن تتسع دائرة النار إلى حدٍّ لا يستطيع أحد إطفاءها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة