مقال | الأعياد في عُمان.. فرص أصيلة للاستثمار والحراك المستدام

د. ناصر بن علي الجهوري|

تمثل الأعياد مواسم نشطة تتسارع فيها عجلة الاقتصاد، وإذا ما أُديرت بوعي استثماري وتنظيم مؤسسي، فإنها تتحول من فترات إنفاق عابر إلى فرص حقيقية تدعم الاقتصاد المحلي وتفتح مجالات للمبادرات الفردية والمؤسسية.

وفي سلطنة عُمان، يتخذ هذا البعد طابعاً خاصاً، حيث تمتزج القوة الشرائية بالخصوصية الثقافية والاجتماعية، بما يخلق بيئة جاذبة تنشّط الحركة التجارية وتستقطب الزوار الباحثين عن تجربة تجمع بين الطبيعة والتراث والاستقرار.

وتتوزع فرص الاستفادة من هذه المواسم على مسارات رئيسية تشمل الأسواق، والسياحة الثقافية، والمشاريع الريادية، وهي مسارات يمكن أن تشكل رافداً مهماً للاقتصاد الوطني متى ما أُحسن تنظيمها وربطها برؤية تنموية واضحة.

تمثل الهبطات العُمانية نموذجاً اقتصادياً متجدداً، حيث تتحول إلى منصات مفتوحة للتبادل التجاري، تنشط خلالها قطاعات التجزئة والصناعات المنزلية، وتوفر فرصاً للأسر المنتجة والحرفيين لتسويق منتجاتهم، بما يعزز الاقتصاد المحلي ويحقق توازناً في السوق.

كما تمثل الأعياد عنصر جذب سياحي مهم، إذ يحرص كثير من الزوار القادمين من دول الجوار على قضاء هذه المناسبات في سلطنة عُمان لما تتميز به من تنوع طبيعي وتراث غني. وتبرز هنا سياحة التجارب التي تتيح للزائر معايشة تفاصيل المجتمع وثقافته.

وتكتسب الممارسات المرتبطة بالعيد قيمة سياحية، مثل إعداد الأطعمة التقليدية كالشواء والعرسية، وأداء الفنون الشعبية كالرزحة والعازي، حيث يمكن توظيفها بصورة منظمة لتعزيز الجذب السياحي.

ويبرز كذلك نشاط الصناعات المرتبطة بالموروث الغذائي، وعلى رأسها الحلوى العُمانية، التي يزداد الطلب عليها، بما يدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ويعزز الاقتصاد الثقافي الذي يجمع بين الهوية والقيمة المضافة.

وتفتح هذه المواسم آفاقاً للشباب لتحويل الموروث إلى مشاريع مستدامة تجمع بين الأصالة والابتكار، وتسهم في خلق فرص عمل ضمن الاقتصاد البنفسجي، إلى جانب نماذج واعدة مثل تحويل الحارات الأثرية إلى نُزل سياحية وتنمية سوق الهدايا التراثية الحديثة.

ولتعظيم الاستفادة، يبرز دور التكامل بين القطاعين العام والخاص في تنظيم الفعاليات، وتطوير الأسواق، ورقمنة الموروث الثقافي لتوسيع نطاق تسويق المنتجات محلياً وخارجياً. كما يشكل تعزيز ثقافة الاستهلاك الواعي عنصراً مهماً لدعم الاستدامة ورفع القيمة التسويقية للمنتج المحلي.

إن الأعياد في عُمان ليست مواسم اجتماعية فقط، بل مورد اقتصادي كامن ينتظر إدارة ملهمة تحول زخمه إلى أثر مستدام. ومع ما تمتلكه سلطنة عُمان من رصيد ثقافي وحضور سياحي متنامٍ، فإن تعظيم العائد من هذه المواسم يتطلب الانتقال من الطرح النظري إلى الفعل المنظم القابل للقياس.

وعليه، فإن الخطوة الحاسمة تبدأ بإطلاق برنامج وطني موسمي متكامل لإدارة اقتصاد الأعياد، يربط بين الفعاليات والأسواق والسياحة والمشاريع الريادية ضمن مؤشرات أداء واضحة وشراكات فاعلة، بما يضمن تحويل هذه المواسم إلى رافد اقتصادي مستدام عالي القيمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*