مقال | حين يُكسَر ميزان الاتزان

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في السياسة، كما في حياة الأمم، ثمة لحظة دقيقة يفصل فيها ميزان الاتزان بين الحكمة والمغامرة. ذلك الخط غير المرئي الذي يحفظ توازن القوى ويمنع الانزلاق نحو دوائر التصعيد. غير أن التاريخ كثيرًا ما يثبت أن بعض القوى، حين يغلبها شعور التفوق، تميل إلى اختبار حدود هذا الخط، ظنًا منها أن القوة قادرة وحدها على إعادة تشكيل الواقع.

ما تشهده المنطقة اليوم يعكس إلى حد بعيد هذه اللحظة الحرجة. فالتصعيد المتتابع، والرهان المتزايد على القوة العسكرية، لم يفضِ إلى استقرار بقدر ما فتح أبواباً لدوائر جديدة من التوتر. فكل خطوة تتجاوز حدود الاتزان تولّد ردوداً مقابلة، وكل محاولة لفرض معادلة أحادية تدفع الأطراف الأخرى إلى البحث عن وسائل جديدة لاستعادة التوازن.

لقد اعتقد الكيان المحتل “إسرائيل”، مدعوم بالقدرة الأمريكية، أن فائض القوة قادر على إعادة صياغة معادلات الإقليم. غير أن التجربة أثبتت أن المنطقة ليست فراغًا جيوسياسياً يمكن تشكيله بقرار أحادي. فهي مساحة معقدة تتداخل فيها المصالح والذاكرة التاريخية والاعتبارات السيادية، الأمر الذي يجعل أي محاولة لكسر ميزان الاتزان مغامرةً محفوفة بتداعيات غير محسوبة.

وهكذا، لم يعد التصعيد مجرد فعل عسكري، بل أصبح حالة تراكمية تتسع دوائرها مع كل خطوة إضافية خارج خط الحكمة. فالقوة حين تفقد بوصلتها السياسية تتحول من أداة ضبط إلى عامل اضطراب، وتصبح المنطقة بأكملها رهينةً لحسابات لا يمكن السيطرة على مآلاتها بسهولة.

وفي خضم هذا المشهد، تبرز قيمة النهج الذي يرى في الاتزان فضيلة سياسية، لا علامة تردد. فالحكمة في إدارة الأزمات لا تكمن في القدرة على إشعال المواجهات، بل في القدرة على منع اتساعها. والتاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى لا تنتهي حين يبلغ التصعيد ذروته، بل حين تدرك القوى المتصارعة أن العودة إلى الاتزان أقل كلفة من الاستمرار في اختبار حدود القوة.

فميزان الاستقرار في هذه المنطقة لم يُصنع يوماً بالقوة وحدها، بل بوعيٍ عميق بأن الحكمة، في نهاية المطاف، هي أكثر أدوات السياسة بقاءً وتأثيراً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*