مقال | عُمان.. حين يصبح الحياد قوة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في لحظة إقليمية تختلط فيها الحسابات بالتهديدات، ويُعاد رسم خرائط النفوذ تحت ضغط القوة، تبرز عُمان كاستثناء لا ينسجم مع منطق الاستقطاب الحاد، بل يتجاوزه. فبينما تتجه بعض الدول إلى تضخيم أدوارها عبر الخطاب، تمضي مسقط في ترسيخ دورها عبر الفعل الصامت، مستندةً إلى إرثٍ سياسي طويل يمنحها ما تفتقده قوى أكثر صخباً: المصداقية.

إن ما يُنظر إليه أحياناً كـ”حياد” عُماني، ليس انسحاباً من المشهد، بل تموضعًا محسوباً داخله. فالدولة التي راكمت خبرة قرون في إدارة التوازنات، تدرك أن الانحياز في لحظات التوتر القصوى قد يكون مكسباً آنياً وخسارة استراتيجية. ومن هنا، تتحرك عُمان على قاعدة تثبيت الاستقرار لا استثماره، واحتواء الأزمات لا تغذيتها.

في ظل التهديدات المتصاعدة حول مضيق هرمز، والتصريحات المتقلبة من واشنطن، والتصلب الإيراني المتكرر، تبدو الحاجة إلى وسيط موثوق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وهنا تحديداً، لا تطرح عُمان نفسها لاعباً بديلًا، بل ضرورة تفرضها معادلة التوازن. فهي الدولة القادرة على مخاطبة جميع الأطراف دون أن تفقد ثقة أيٍ منها، وهي ميزة نادرة في بيئة سياسية تقوم على الشكوك المتبادلة.

تحت قيادة ، يتعزز هذا النهج بوصفه خياراً استراتيجياً لا تكتيكاً مرحلياً. فمسقط لا تنافس على النفوذ بقدر ما تعيد تعريفه؛ من قوة صلبة إلى تأثير هادئ، ومن اصطفاف إلى توازن، ومن صراع إلى إدارة صراع.

إن قراءة الدور العُماني اليوم بمعزل عن جذوره التاريخية تقود إلى سوء فهمه. فهو ليس وليد ظرفٍ طارئ، بل نتاج دولةٍ رسّخت عبر الزمن معادلة فريدة؛ كلما ارتفع الضجيج من حولها، ازدادت قدرتها على التأثير. وفي عالمٍ يتجه نحو الحافة، قد لا يكون الصوت الأعلى هو الأجدر بالاتباع، بل الصوت الأقدر على منع السقوط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*