د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليست عُمان، في سجلّ المواقف، دولة تبحث عن ضجيج الحضور، ولا عن تصفيق اللحظة العابرة؛ بل هي أقرب إلى معنى الدولة التي تُحسن الإصغاء قبل أن تتكلم، وتزن القول قبل أن تُطلقه، وتُدرك أن في السياسة كما في الحياة، ليس كل ما يُقال يُقال، ولا كل ما يُفعل يُعلن. لذلك، حين تُستهدف، فإنما تُستهدف لأنها اختارت أن تكون على مسافةٍ من الانفعال، وقريبةً من جوهر الحقيقة.
الهجمات التي تطال عُمان اليوم، في جوهرها، ليست اعتراضاً على موقفٍ بعينه، بقدر ما هي ضيقٌ من نمطٍ مختلفٍ في الفعل السياسي؛ نمطٍ لا ينخرط في الاستقطاب، ولا يُساق إلى معارك الآخرين، ولا يساوم على رصيده الأخلاقي في سوق المصالح الضيقة. إنها محاولة لإرباك صوتٍ هادئ، لأن هذا الهدوء، في عالمٍ مضطرب، يُحرج الضجيج.
غير أن التصدي لمثل هذه الهجمات، لا يكون بالانزلاق إلى مستواها، ولا بردود الفعل المتعجلة التي تُفقد الموقف اتزانه؛ بل يكون أولاً بالثبات على ذات النهج الذي أزعجهم: وضوحٌ بلا صخب، وصرامةٌ بلا استعراض، وموقفٌ يستند إلى شرعيةٍ أخلاقية قبل أن يستند إلى حسابات القوة.
ثم إن المواجهة الحقيقية تبدأ من الداخل؛ من وعي المجتمع بذاته ودوره. فالدولة التي تمتلك سرديتها، لا تُهزم أمام روايات الآخرين. والمجتمع الذي يُدرك لماذا تتخذ بلاده مواقفها، لا تنطلي عليه حملات التشويش، ولا تُربكه الشائعات. هنا، يتحول المواطن من متلقٍ إلى شريك، ومن مستهلكٍ للخبر إلى حارسٍ للمعنى.
وعلى مستوى الخطاب، فإن الرصانة ليست ضعفاً، بل قوةٌ مضاعفة. فالكلمة التي تخرج من موقع الثقة، لا تحتاج إلى صراخٍ لتُسمع، ولا إلى مبالغةٍ لتُصدّق. إن تقديم الموقف العُماني بلغةٍ هادئةٍ عميقة، تُخاطب العقل قبل العاطفة، وتُحاجج بالحقيقة لا بالاتهام، كفيلٌ بأن يُعيد ترتيب المشهد، ويكشف هشاشة كثيرٍ من الادعاءات.
كما أن من الحكمة، في زمن الحملات المنظمة، ألا تُترك المساحات فارغة. فالصمت، وإن كان في بعض المواضع فضيلة، قد يُساء فهمه حين يتحول إلى غيابٍ عن معركة الرواية. المطلوب ليس الانجرار إلى كل سجال، بل اختيار اللحظة، وإتقان الرسالة، وبناء حضورٍ إعلاميٍ واعٍ، يُجيد مخاطبة الداخل والخارج بلغةٍ واحدة: لغة الاتزان.
وعُمان، التي راكمت عبر عقودٍ رصيداً من الثقة، لا تحتاج إلى إعادة تعريف نفسها كلما علا صوتٌ ناقد؛ فهي تُعرَف بأفعالها قبل أقوالها، وبقدرتها على بناء الجسور حيث يعجز الآخرون عن ذلك. وهذه القوة الناعمة، حين تُحسن توظيفها، تصبح درعًا لا يُرى، لكنه أكثر صلابةً من كثيرٍ من أدوات الصراع التقليدي.
في النهاية، ليست القضية أن نُسكت الأصوات التي تُهاجم، فهذا شأنٌ لا يستقيم في عالمٍ مفتوح؛ بل أن نُبقي صوت الحكمة أعلى، لا بحدّته، بل بثباته. فالتاريخ، في محصلته، لا ينحاز إلى الأكثر صخباً، بل إلى الأكثر اتزاناً.. وعُمان، حين تُصيبها سهام النقد، إنما تُختبر في قدرتها على أن تظل كما كانت: دولةً تقول ما تفعل، وتفعل ما ترى أنه الحق، ولو خالف ضجيج اللحظة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة