مقال | مسقط.. حين تكتب السلام بلغة المستقبل

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في عالمٍ يزداد ضجيجه كلما اقترب من حافة الانفجار، تبدو المبادرات التي تراهن على الهدوء وكأنها تسبح عكس التيار. غير أن التاريخ، في لحظاته الفاصلة، لا يُصاغ فقط في غرف العمليات العسكرية، بل في تلك المساحات الهادئة التي يُعاد فيها تعريف معنى الأمن، ومعنى الإنسان.

من هذا الأفق، تأتي “خطة مسقط” التي أطلقتها سلطنة عُمان في أروقة الأمم المتحدة، لا بوصفها مبادرة أخلاقية عابرة، بل كطرحٍ عميق يعيد ترتيب العلاقة بين السياسة والقيم، بين الصراع وبيئته، وبين القوة ومصادرها. فالعالم الذي يتقن إدارة الحروب، لم ينجح بعد في إدارة مقدماتها؛ حيث تتشكل الكراهية ببطء، وتتراكم السرديات الإقصائية، حتى تصبح العقول ساحاتٍ أولى للاشتباك.

ما تقترحه مسقط، بهدوئها المعهود، هو نقل النقاش من “كيف نوقف الحرب؟”. إلى “كيف لا تبدأ أصلًا؟”. وهو سؤالٌ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره انقلابًا معرفياً في فهم الأمن الدولي. فالحروب الحديثة لم تعد مجرد صدام جيوش، بل نتاج بيئات مشحونة، وخطابات تعبئة، وانهيار تدريجي للثقة بين المجتمعات.

وفي هذا السياق، لا تسعى عُمان إلى منافسة القوى الكبرى في أدواتها، بل إلى تجاوز منطقها. فهي لا تقدم نفسها لاعباً في توازنات القوة الصلبة، بل مهندسًا لمساحات الثقة، حيث يمكن للاختلاف أن يُدار دون أن يتحول إلى صراع. ومن خلال إشراك القيادات الدينية والتقليدية، تعيد “خطة مسقط” الاعتبار لأصواتٍ طالما كانت حاضرة في عمق المجتمعات، وغائبة عن طاولات القرار.

قد يقال إن مثل هذه المبادرات لا توقف حربًا مشتعلة، وهذا صحيح. لكنها، في المقابل، تمنع حروباً لم تبدأ بعد. وفي عالمٍ تتسارع فيه الأزمات، يصبح منع الشرارة أكثر قيمة من إطفاء الحريق.

ليست “خطة مسقط” وعدًا بنهاية الصراعات، بل دعوة لإعادة التفكير في جذورها. وهي، في جوهرها، تعبير عن فلسفة عُمانية متجذرة، ترى في التنوع مصدر قوة، وفي الحوار أداة بقاء، وفي الإنسان نقطة البدء والنهاية لأي معادلة استقرار.

هكذا، تكتب مسقط حضورها في المشهد الدولي: لا بصوت مرتفع، بل بأثر عميق. لا عبر فرض الحلول، بل عبر تهيئة شروطها. وفي زمنٍ تتنازع فيه القوى على إدارة العالم، تختار عُمان أن تسهم في تهدئته.

وربما، في ذلك، يكمن الفرق بين من يملك القوة.. ومن يفهمها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*