مقال | وطنٍ يعرف طريقه بين الجذور والمستقبل

د. قاسم بن محمد الصالحي |

قال لي رجلٌ من أهل الجبل ذات مساء، ونحن نجلس عند صخرة عالية تطل على الوادي:

“يا بُني، الجبل لا يبقى آلاف السنين لأنه يرفض التغيير، بل لأنه يعرف كيف يتغير دون أن يفقد ملامحه”.

ثم سكت قليلاً وأضاف: “الأوطان التي تنسى أصلها تضيع في الطرق الجديدة، والأوطان التي تغلق أبوابها أمام الزمن تتحول إلى ذكرى”.

تذكرت عندها حديثاً لجلالة السلطان الراحل قابوس بن سعيد –طيب الله ثراه– حين كان يؤكد في لقاءاته أن التراث ليس مجرد مبانٍ قديمة أو مظاهر محفوظة، بل هو ذاكرة وطن، وقيم مجتمع، وتجربة إنسانية ينبغي أن تكون حاضرة في بناء المستقبل.

فقد كان ينظر إلى التراث باعتباره جسراً بين الأجيال؛ لا يمنع العُماني من أن يتقدم، بل يمنحه الثقة وهو يتقدم. فالوطن الذي يعرف من أين جاء، يكون أكثر قدرة على معرفة الطريق الذي يريد أن يسلكه.

قال لي الرجل من الجبل: “نحن لا نحمل الماضي على ظهورنا، بل نحمله في قلوبنا”.

وهذه ربما كانت إحدى الحكم التي حفظت لعُمان توازنها عبر مراحل التاريخ؛ أن التطوير لم يكن يوماً قطيعة مع الهوية، وأن الانفتاح على العالم لم يكن فقداناً للخصوصية، بل كان امتداداً لطبيعة مجتمع عرف البحر والصحراء والجبل، وعرف أن الحياة لا تستقيم إلا بالحركة مع الثبات.

فكل مرحلة في تاريخ الأمم تبني ما بعدها؛ فالآباء يتركون القيم، والأبناء يضيفون المعرفة، والأجيال القادمة تصنع أدوات جديدة، لكن الروح التي تجمع الجميع تبقى هي الضمان الحقيقي للاستمرار.

واليوم، في عالم سريع التحولات، لا تكفي قوة الاقتصاد أو التكنولوجيا وحدها لبناء المستقبل؛ فالمجتمعات التي تعبر الأزمنة هي التي تمتلك رأس مال غير مرئي: الثقة، والانتماء، والوعي، والقدرة على إدارة الاختلاف، وفهم ما يدور حولها دون أن تفقد بوصلتها.

قال الرجل وهو ينظر إلى الجبل:

“الصخرة التي لا تعرف أصلها تسقط مع أول سيل، أما التي تعرف مكانها فتتغير حولها الأودية ولا تتحرك”.

وفهمت أن عُمان لم تبنِ مراحلها على إلغاء ما سبقها، بل على تراكم التجربة؛ مرحلة تسند مرحلة، وخبرة تفتح الطريق لخبرة أخرى، حتى أصبح الماضي زاداً للمستقبل، لا عبئاً عليه.

فالجبل لا يختار بين جذوره وارتفاعه.. وكذلك الوطن لا يختار بين هويته وتقدمه؛ لأن المستقبل الحقيقي هو الذي يحمل في داخله ذاكرة الطريق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*