د. ناصر بن علي الجهوري|
في عالم السياحة المعاصرة، لم يعد الطعام عنصراً مكمّلاً للتجربة السياحية، بل تحوّل إلى محرك جذب رئيسي، ووسيلة تسويق ثقافي ناعمة، وأداة اقتصادية عالية التأثير. فقد أصبحت سياحة الطعام والمطاعم أحد أسرع أنماط السياحة نموًا عالميًا، لما تحمله من قدرة فريدة على ربط الزائر بالثقافة المحلية عبر التذوق والسرد والتجربة الحسية المباشرة.
وتشير تقارير منظمة السياحة العالمية إلى أن أكثر من 80% من السياح يعتبرون تجربة الطعام جزءاً أساسياً من تجربتهم السياحية، فيما يخصص الزائر ما بين 25% إلى 35% من إنفاقه على الطعام والمطاعم، وهي نسبة تجعل من هذا القطاع رافعة اقتصادية حقيقية. كما تؤكد دراسات دولية أن 53% من المسافرين يختارون وجهاتهم بناءً على شهرة المطبخ المحلي وجودة المطاعم.
في هذا السياق، تبرز سلطنة عُمان كوجهة تمتلك مخزوناً غنياً من الموروث الغذائي القابل للتحول إلى منتج سياحي تنافسي. فالمطبخ العُماني يعكس تاريخاً من التفاعل الحضاري، وتجسيداً لبيئة متنوعة جمعت بين البحر والجبل والصحراء، وتحمل أطباقه قصص المكان والإنسان.
ويزداد أثر سياحة الطعام حين تُدار ضمن منظومة متكاملة تربط بين المنتج الزراعي المحلي، والطهاة، والمطاعم، والأسواق التقليدية، بما يعزز مفهوم «من المزرعة إلى المائدة» ويضمن استدامة القيمة المضافة داخل الاقتصاد المحلي. كما يسهم توثيق المأكولات العُمانية وحمايتها كتراث غير مادي، وإدماجها في التعليم السياحي والتدريب الفندقي، في بناء كفاءات وطنية قادرة على تقديم التجربة الغذائية بمستوى عالمي.
وتكمن قوة سياحة الطعام في أنها تسوّق الثقافة دون خطاب مباشر؛ فالطبق التقليدي يصبح مدخلاً لفهم العادات الاجتماعية وقيم الكرم والضيافة، ما يجعل المطاعم فضاءات ثقافية لا تقل أهمية عن المتاحف والأسواق التراثية.
وتؤكد تقارير السوق العالمية أن حجم سياحة الطعام تجاوز 800 مليار دولار عالمياً، مع توقعات بنمو سنوي يفوق 15%، مدفوعاً بارتفاع الطلب على التجارب الأصيلة. كما تشير البيانات إلى أن السائح المهتم بالطعام يمكث فترة أطول وينفق أكثر، بما يدعم الإشغال الفندقي واستدامة المشاريع الصغيرة وإيجاد فرص العمل.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن لسلطنة عُمان الانتقال بسياحة الطعام إلى فضاء الابتكار عبر إطلاق مبادرة “النكهة العُمانية”، بوصفها منظومة وطنية متكاملة تحوّل المطبخ العُماني إلى تجربة سياحية ذكية. تقوم الفكرة على تصنيف الأطباق والمطاعم المعتمدة بختم الهوية، وربطها بتقنيات رقمية تتيح للزائر التعرف على قصة الطبق وأصوله ومكوناته، وربط التجربة بمسارات سياحية وأسواق ومزارع محلية.
إن الاستثمار في سياحة الطعام يمكّن سلطنة عُمان من تحويل المطبخ العُماني من إرث تراثي غني إلى تجربة سياحية متكاملة تجمع بين الثقافة والهوية والاقتصاد، وتترك أثرًا طويل الأمد في ذاكرة الزائر. وعليه، فإن إدراج سياحة الطعام ضمن أولويات الاستراتيجية السياحية الوطنية يمثل خطوة نوعية لتحويل هذه القيمة الكامنة إلى منتج سياحي تنافسي مستدام.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة