د. قاسم بن محمد الصالحي|
لا يولد التيه من قلة الطرق، بل من غياب المعنى الذي يربطها. وحين تلتبس الاتجاهات على الأجيال، لا يكون الخلل في سرعة الزمن، بل في ضعف القراءة. فالأصل، في التجربة العُمانية، لم يكن يوماً حنيناً إلى ما مضى، ولا خطاباً يُستدعى عند الأزمات، بل منطق حياة تشكّل عبر قرون من التفاعل العاقل مع الجغرافيا والتاريخ والإنسان.
العُماني لم يتعامل مع البحر كحدّ، بل كأفق، ولم يرَ في الجبل عائقاً بل مرساة توازن. ومن هذا التعايش بين الانفتاح والثبات، وُلد وعيٌ خاص: لا اندفاع يُغرق، ولا انغلاق يُيبّس. ذلك هو الأصل؛ حكمة التوسط التي جعلت القرار فعلاً محسوباً، والاختلاف مساحة تعايش، لا ساحة كسر.
لكن أخطر ما يواجه الأجيال اليوم ليس التحول السريع، بل وهم القطيعة. أن يُخيَّل للناشئة أن كل جديد نقيض لما سبقه، وأن المستقبل لا يُبنى إلا بنفي الأساس. هنا تحديداً يفقد الطريق وضوحه، لأن من لا يفهم منطق التأسيس، سيعيد إنتاج الأخطاء نفسها بلغة مختلفة.
قراءة الأصل ليست عودة إلى الوراء، بل ارتقاء في الفهم. هي سؤال: لماذا نجح هذا المجتمع في تحويل القسوة الجغرافية إلى فرصة؟. لماذا اختار العُماني، تاريخياً، الترميم بدل الهدم، والوساطة بدل الاستقطاب، والتراكم بدل المغامرة؟. هذه ليست أسئلة تاريخ، بل أدوات استشراف.
فالمستقبل لا يفاجئ من يفهم مساره. ومن يدرك أن الحضارة تُبنى بالصبر والاتزان، لا بالضجيج والتسرع، يعرف أن الحداثة الحقيقية لا تبدأ بخلع الجذور، بل بتمديدها في تربة أوسع. إلى الأجيال القادمة: اقرأوا الأصل بعقلٍ ناقد لا بعينٍ مقلدة، فالأصل ليس قيداً على الحركة، بل بوصلة تمنع الضياع. ومن امتلك البوصلة، لم يخف من اتساع الطريق.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة