د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليست كل النهضات صاخبة، ولا كل التحولات تُقاس بعدد الخطب أو ضجيج القرارات. بعض التحولات العميقة تشبه نموّ الشجر في الليل؛ لا نراه، لكننا نستيقظ لنجد الظل قد اتّسع، والجذور صارت أعمق، والأرض أكثر طمأنينة.
خمس سنوات مرّت على النهضة المتجددة في عُمان، خمس سنوات لم تُكتب بلغة الاستعراض، بل بلغة الصبر. لم تُقدَّم فيها الوعود كألعاب نارية، بل كمسؤولية ثقيلة تُحمل على الكتف، وتُدار بعقل بارد وقلب يعرف قيمة هذا الوطن.
منذ اللحظة الأولى، كان الاختيار واضحاً؛ أن تُدار الدولة بعقل الدولة، لا بعاطفة اللحظة. أن تُمسك البوصلة بثبات، حتى لو تعاكس الريح الاتجاه. لم يكن الزمن رحيماً؛ أزمات عالمية، تقلبات اقتصادية، عالم يتشظّى، ومنطقة تموج بالضجيج. ومع ذلك، اختارت عُمان أن لا تُسرع، لأن السرعة في المنعطفات الحادة ليست شجاعة.. بل تهوّر.
في هذه السنوات، تعلّمت الدولة أن تنظر إلى نفسها في المرآة بلا مواربة. أعادت ترتيب جسدها الإداري، لا لتبدو أصغر، بل لتكون أكثر كفاءة. تخلّت عن الزوائد، وسمّت الأشياء بأسمائها، وقررت أن الدولة ليست بعدد مؤسساتها، بل بقدرتها على العمل، والإنجاز، والمساءلة. كان ذلك أشبه بعملية جراحية دقيقة: مؤلمة أحياناً، لكنها ضرورية للحياة.
اقتصادياً، لم تُقدَّم الأحلام على حساب الحقيقة. قيل للناس إن الطريق لن يكون مفروشاً بالراحة، وإن التوازن لا يولد من التمنيات. كانت الواقعية هي اللغة الجديدة: ضبط، تنظيم، تنويع، وبناء ثقة طويلة الأمد. لم يكن الهدف إرضاء اللحظة، بل حماية الغد. ومع كل خطوة، بدأت ملامح اقتصاد أكثر نضجاً تتشكل، اقتصاد يعرف حدوده، لكنه يعرف أيضاً إمكاناته.
أما في السياسة، فبقي الصوت العُماني منخفضاً.. لكنه مسموع. في عالم يتخاصم فيه الجميع، حافظت عُمان على قدرتها النادرة: أن تكون حاضرة بلا ضجيج، وفاعلة بلا استفزاز. لم تغيّر بوصلتها، لكنها ثبّتتها أكثر. وكأنها تقول: الدول لا تُقاس بعلوّ صوتها، بل بقدرتها على البقاء متزنة حين يختل ميزان العالم.
وفي العمق، كان الإنسان حاضراً في صلب المعادلة. لم تُدار المرحلة بخطاب تعبوي، بل بخطاب مسؤول، يُشرك المواطن في الفهم، وفي تحمّل الكلفة، وفي الأمل. أُعيد الاعتبار لفكرة أن الوطن لا يُدار نيابة عن أبنائه، بل معهم. وأن بناء المستقبل يبدأ من تعليمٍ يُراجع، وشبابٍ يُمكَّن، وقيمٍ تُصان وسط عالم سريع التبدّل.
الخلاصة، بعد خمس سنوات ليست في القول إن كل شيء قد اكتمل، بل في إدراك أن الأساس قد وُضع في المكان الصحيح. الدولة اليوم تعرف ماذا تريد، وتعرف ما لا تريد. تعرف أن الطريق طويل، لكنها لم تعد تائهة. وهذا في حد ذاته إنجاز كبير في زمن التيه.
النهضة المتجددة لم تعد وعداً.. صارت مساراً. مساراً هادئًاً، عميقاً، لا يُقاس بالتصفيق، بل بالثبات. ومن يقف اليوم عند ما أُنجز، لا يقف ليصفّق، بل ليطمئن أن السفينة تسير، وأن الربّان يعرف البحر، وأن عُمان – كما كانت دائماً – لا تصل متأخرة.. بل تصل حين تكون مستعدة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة