مقال| سباقات الهجن مكسب رياضي وسياحي واقتصادي

د. ناصر بن علي الجهوري|

تشهد سلطنة عُمان في هذه الفترة انطلاقة موسم سباقات الهجن بزخم لافت، وإقبالاً متزايداً من مُلّاك الهجن والمضمرين والجماهير، في مشهد يعكس عمق الارتباط بين المجتمع العُماني وتراثه الأصيل، ويؤكد أن هذه الرياضة ما زالت تحتفظ بمكانتها في الوجدان الجمعي.

فقد تحولت ميادين السباق إلى فضاءات نابضة بالحيوية، تتقاطع فيها روح المنافسة مع الاعتزاز بالهوية، ويحضر فيها الشغف الجماهيري جنبًا إلى جنب مع التنظيم المؤسسي، بما يمنح الموسم بعداً لآفاق أوسع.

لقد أصبحت سباقات الهجن نشاطاً رياضياً منظماً وصناعة متكاملة ذات أبعاد ثقافية وسياحية واقتصادية. فهي تمثل نموذجاً حياً لكيفية تحويل الموروث الثقافي إلى قيمة مضافة مستدامة، تجمع بين الأصالة والاحتراف، وتحافظ على الجوهر التاريخي مع مواكبة متطلبات العصر، الأمر الذي عزز حضورها في المشهد العام ورفع من قدرتها على التأثير في قطاعات متعددة.

رياضياً، تمثل سباقات الهجن أحد أشكال الرياضة التنافسية ذات القواعد الواضحة والتنظيم الدقيق، حيث تتكامل الجوانب الفنية مع الرعاية البيطرية، والتدريب المنهجي مع الخبرات، واستخدام التقنيات الحديثة في المتابعة والتحكيم. وقد أسهم هذا التطور في رفع مستوى التنافس، واستقطاب فئات عمرية جديدة، وتحويل الهجن من نشاط تقليدي محدود إلى رياضة ذات جماهيرية وتنظيم احترافي، قادرة على الاستمرار والتوسع.

أما سياحياً، فتتمتع سباقات الهجن بجاذبية خاصة ضمن السياحة الثقافية والتجريبية، حيث يبحث السائح عن تجربة أصيلة تعكس روح المكان وتاريخه. ويتيح حضور السباقات للزائر التعرف عن قرب على نمط حياة متجذر في البيئة الصحراوية، والتفاعل مع طقوس اجتماعية وثقافية تمتد من الاستعداد للسباق إلى الأهازيج الشعبية والفعاليات المصاحبة. كما يمكن لمواسم السباقات أن تتحول إلى نقاط جذب موسمية تُبنى حولها برامج سياحية متكاملة تشمل الإقامة، والمنتجات التراثية، والأنشطة الثقافية، بما يعزز مدة إقامة السائح ويرفع متوسط إنفاقه.

اقتصادياً، تكشف التجارب الخليجية عن الإمكانات الكبيرة التي تحملها سباقات الهجن. ففي بعض المهرجانات الكبرى بالمنطقة، تجاوزت الجوائز المالية وحدها ما يعادل 7.7 مليون ريال عُماني في موسم واحد، بينما قدّرت القيمة السوقية للهجن المشاركة في بعض المواسم بأكثر من 25.6 مليون ريال عُماني، دون احتساب العوائد غير المباشرة المرتبطة بالنقل، والتدريب، والخدمات البيطرية، والإعلام، والضيافة. وعند إسقاط هذه المؤشرات على الواقع العُماني، وبافتراض تنظيم موسم يضم نحو 10 إلى 12 سباقاً سنوياً، يمكن تقدير العوائد الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة بما يتراوح بين 3 إلى 5 ملايين ريال عُماني سنوياً في مرحلتها الحالية، مع قابلية هذا الرقم للارتفاع تدريجياً إلى ما يتجاوز 10 ملايين ريال عُماني عند اكتمال منظومة الاستثمار السياحي والتجاري المصاحبة.

ولا تقتصر هذه العوائد على الجوائز أو التداول التجاري للهجن، بل تمتد لتشمل تنشيط قطاعات متعددة، مثل تربية الهجن وتداولها، والخدمات البيطرية، والنقل، وصناعة المستلزمات، إضافة إلى قطاع الضيافة والأسواق الشعبية والإعلام الرياضي، ما يجعل سباقات الهجن رافداً اقتصادياً حقيقياً، وداعماً للاقتصاد الوطني وتنمية المحافظات على حد سواء.

وفي هذا السياق، يُقترح إطلاق مبادرة (المنصة الإلكترونية للهجن العُمانية)، وهي منظومة إلكترونية ذكية ريادية متكاملة تُحوِّل سباقات الهجن إلى تجربة عالمية هجينة (ميدانية/رقمية)، عبر ربط المواسم بحزم سياحية ذكية، وتوثيق الهجن بهويات رقمية، وبثٍّ تفاعلي بالواقع المعزَّز للسباقات، وإنشاء أسواق استثمارية إبداعية وصناعة محتوى، مع إشراك المجتمعات المحلية ورواد الأعمال، بما يجعل السباقات منتجاً مستداماً يجمع بين الأصالة والابتكار والقيمة الاقتصادية العالمية.

إلى جانب ذلك، تؤدي سباقات الهجن دوراً مهماً في تعزيز الهوية الوطنية وبناء صورة ذهنية إيجابية عن سلطنة عُمان، من خلال إبراز التراث في قالب حضاري معاصر، يجمع بين الأصالة والانفتاح، ويمثل منصة للتواصل الثقافي واستقطاب الاهتمام الإقليمي والدولي، وتعزيز القوة الناعمة عبر الرياضة والتراث والسياحة.

إن الاستثمار في سباقات الهجن ينبغي أن ينظر إليه كخيار استراتيجي ضمن منظومة التنمية المستدامة، يتطلب تخطيطاً مؤسسياً، وتشريعات محفزة، وتسويقاً احترافياً، وتكاملاً بين القطاعات الرياضية والسياحية والاقتصادية. وعندما تدار هذه السباقات برؤية واضحة، فإنها تتحول إلى منصة جامعة تحقق مكاسب متعددة: رياضة تحافظ على أصالتها، وسياحة تروي قصة المكان، واقتصاد يستثمر في الجذور ليصنع مستقبلاً أكثر تنوعاً واستدامة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*