مقال| حين تُستهدف الصورة ويُختبر الوعي

د. قاسم بن محمد الصالحي|

يحبّ العُماني الطمأنينة، لا لأنها هروب من العالم، بل لأنها ثمرة فهمٍ عميق له. عبر قرونٍ طويلة، تعلّم هذا المجتمع أن الاستقرار ليس جموداً، وأن الهدوء ليس ضعفاً، وأن الحكمة كثيراً ما تسير بخطى أبطأ من الضجيج، لكنها تصل أبعد. غير أنّ الطمأنينة، حين تدخل زمن التغيير المتسارع، تُختبَر، لا لتُكسَر، بل لنعرف مقدار وعيها وقدرتها على التجدّد.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى انتشار مقاطع تشويه الشعب العُماني على وسائل التواصل الاجتماعي بوصفه حادثة معزولة أو إساءة عابرة. إنها علامة من علامات هذا العصر القَلِق، حيث لم تعد الحروب تُدار على الحدود، بل على الشاشات، ولم يعد الاستهداف مباشراً، بل ناعماً، يتسلل إلى الوعي عبر السخرية، والاقتطاع، والتعميم الجائر.

هذه المقاطع لا تسيء إلى أفراد، بقدر ما تحاول أن تهز صورة مجتمع كامل، عُرف عبر تاريخه بالاتزان، والتسامح، وضبط النفس. والخطورة هنا لا تكمن في المحتوى نفسه، بل في السياق الذي ينتشر فيه: سياق رقمي لا يكافئ الحقيقة، بل الإثارة، ولا يرفع الصوت الحكيم، بل الصوت الأعلى. وهنا يصبح التشويه أداة، لا غاية، وسيلة لاختبار تماسك الداخل قبل التأثير على نظرة الخارج.

نحن نعيش زمن التغيير السريع، زمن تُعاد فيه صياغة المفاهيم، وتُختصر فيه القيم في مقاطع لا تتجاوز ثواني معدودة. وفي مثل هذا الزمن، تصبح المجتمعات الهادئة أكثر عرضة لسوء الفهم، لأن هدوءها يُقرأ أحياناً بوصفه صمتاً، وصمتها يُستغل بوصفه فراغاً. لكن الحقيقة أن الصمت العُماني لم يكن يوماً غياباً، بل اختياراً واعياً.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الخارج فقط، بل في الداخل أيضاً. فهذه المقاطع تجد بيئة خصبة حين تتقاطع مع فجوة المعنى بين الأجيال، وحين يغيب الخطاب الذي يشرح ما يحدث بلغة قريبة من الناس. جيل يرى في هذه الإساءة مساساً بالكرامة الجمعية، وجيل آخر قد يراها مادة للجدل أو السخرية أو حتى اللامبالاة. وبين هذا وذاك، يضيع المعنى إن لم يُلتقط بوعي.

وهنا يظهر السؤال الجوهري: كيف يحافظ المجتمع العُماني على طمأنينته دون أن يتحول إلى سكون؟. وكيف يتعامل مع التغيير دون أن يفقد نبرته الأخلاقية؟. الجواب لا يكون بالانفعال، ولا بالإنكار، ولا بالانسحاب من الفضاء الرقمي، بل بفهم طبيعة المرحلة. فالعالم اليوم لا يستفز الأقوى، بل الأهدأ، ولا يختبر الصاخب، بل المتزن.

التغيير الذي نعيشه ليس خياراً، بل واقع. أما كيفية التعامل معه، فهي الخيار الحقيقي. أن ننتقل من ردّة الفعل إلى الفعل الواعي، ومن الغضب إلى التفسير، ومن الدفاع الانفعالي إلى بناء سردية هادئة وواثقة. سردية تقول إن عُمان لا تُعرّف عبر مقطع، ولا تختزل في صورة، ولا تُستفز لتثبت ذاتها.

دور الجهات المعنية هنا مهم، لكنه لا يكفي وحده. فالقانون يردع، لكنه لا يبني وعياً. والإعلام يوضح، لكنه يحتاج إلى مجتمع شريك، لا متلقٍ سلبي. والمجتمع، بدوره، مطالب بأن يحمي صورته بعدم إعادة إنتاج الإساءة، وبإدراك أن كل مشاركة غير محسوبة هي لبنة في انتشار ما يُراد له أن ينتشر.

في النهاية، نحن بين الطمأنينة والتغيير، لا على طرفي نقيض، بل في مساحة دقيقة تتطلب الحكمة. الطمأنينة التي لا تفهم التغيير تتحول إلى هشاشة، والتغيير الذي لا تحكمه الطمأنينة يتحول إلى فوضى. وبين هذا وذاك، يثبت المجتمع العُماني مرة أخرى أن قوته الحقيقية ليست في صوته العالي، بل في وعيه العميق، وفي قدرته على أن يمضي ثابتاً.. حتى حين تهبّ الرياح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*