د. ناصر بن علي الجهوري|
في الحادي عشر من يناير، لا تستعيد سلطنة عُمان ذكرى احتفالية عابرة، بل تقف أمام لحظة وطنية مفصلية، رسّخت معنى الدولة التي تُفكّر قبل أن تُقرّر، وتُخطّط قبل أن تُغيّر، وتؤمن بأن التحولات الكبرى لا تُبنى بردود الأفعال، بل بصناعة الوعي، وترسيخ الثقة، وإدارة الممكن بإبداع، والأخذ بالتقنيات الحديثة. إنها نهضة متجددة انتقلت من منطق الاستجابة إلى منطق المبادرة، ومن إدارة الواقع إلى صناعة الأفضل، ومن استيعاب التحديات إلى استثمارها بوصفها فرصاً لبناء نموذج تنموي أكثر نضجاً واتزاناً واستدامة.
بدأت ملامح هذا التحوّل تتشكّل من التشريعات التي أُعيد بناؤها لتكون أكثر مواءمة مع المتغيرات، وأكثر انسجاماً مع تطلعات رؤية عُمان 2040، فصار القانون أداة تمكين، وضماناً للعدالة، ورافعة للتنمية، ومنصة لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.
وفي موازاة ذلك، ترسّخت مفاهيم الحوكمة القائمة على الكفاءة، والمساءلة، ووضوح الأدوار، وربط المسؤولية بالأثر، بما كفل للمؤسسات قدرتها على صناعة الفرق، وتعزيز مصداقية الأداء العام، وتحويل الموارد إلى نتائج، والخطط إلى إنجازات ملموسة.
وفي قلب هذا التحوّل، برز تمكين المحافظات باعتباره خياراً استراتيجياً؛ فالتنمية، في فلسفتها الحديثة، لم تعد تُدار من المركز وحده، بل تُصاغ في الجغرافيا الاجتماعية والاقتصادية لكل محافظة، وفق خصوصيتها وإمكاناتها وميزاتها التنافسية. وهكذا، أُعيد توزيع المسؤوليات، واتّسعت دوائر القرار، بما عزّز الشعور بالشراكة الوطنية، وربط التنمية بالإنسان والمكان معاً، لا بوصفهما عناصر جغرافية، بل باعتبارهما رصيداً حضارياً واقتصادياً.
اقتصادياً، اتجهت الدولة إلى بناء مناخ استثماري أكثر جاذبية ومرونة، يقوم على الثقة والشفافية وتحفيز رأس المال المنتج. لم يكن الهدف مضاعفة الأرقام بقدر ما كان بناء اقتصاد متوازن، قادر على التنويع والاستدامة، ومتصالح مع التحولات العالمية دون أن يفقد أولوياته الوطنية. فجاءت المبادرات والحوافز لتؤسس بيئة استثمارية طويلة الأمد تُراكم القيمة، وتولّد الفرص الوظيفية، وتفتح آفاقاً نوعية للشباب، وتعيد تعريف العلاقة بين النمو والعدالة الاجتماعية.
وفي مسار التحوّل، حظي التعليم، بوصفه رافعة المستقبل، بعناية خاصة، حيث اتجهت السياسات إلى مواءمة مخرجاته مع متطلبات التنمية وسوق العمل، وتعزيز جودة التعليم والتدريب والبحث العلمي والابتكار، ليكون الإنسان العُماني أكثر قدرة على المنافسة، وأعمق وعياً بذاته، وأكثر فاعلية في صناعة القيمة، وتحقيق الإنجازات.
وفي السياحة، ركّزت الخطة الخمسية الجديدة على جعل سلطنة عُمان وجهة تجمع بين الأصالة والتنوّع والاستدامة، عبر استثمار المقومات الطبيعية والثقافية والتاريخية الفريدة، ضمن رؤية تجعل السياحة رافداً اقتصادياً واعداً، ومحركاً للتنمية المحلية، وجسراً للتواصل الحضاري مع مختلف دول العالم.
وفي البعد البيئي، تجلّت الرؤية الاستراتيجية بوضوح؛ إذ انتقلت الاستدامة من هامش السياسات إلى صلبها، وأصبحت حماية البيئة وتحقيق الحياد الكربوني جزءاً أصيلاً من معادلة التنمية. وبهذا الفهم، أُعيد ضبط العلاقة بين الإنسان والموارد الطبيعية على أساس المسؤولية المشتركة، والعدالة بين الأجيال، والتوازن بين الاستهلاك والحفاظ.
اجتماعياً، ظل الإنسان العُماني في مركز الاهتمام، بوصفه الغاية والوسيلة معاً. فقد أكدت التوجيهات السامية أن الأسرة ركيزة الاستقرار، وأن التماسك المجتمعي يُبنى بسياسات واعية، ومنظومة حماية اجتماعية متكاملة تُصان وتُطوّر، لتكون درعاً واقياً في وجه التحولات الاقتصادية والاجتماعية. هنا تتجسّد فلسفة الدولة التي ترى في الرعاية استثماراً طويل الأمد، وفي العدالة الاجتماعية ضماناً للاستقرار، وفي التمكين أساساً للكرامة الإنسانية.
وخارجياً، حافظت سلطنة عُمان على ثوابتها الراسخة، ورسّخت حضورها كدولة تُحسن إدارة علاقاتها بميزان الحكمة، وتؤمن بأن الدبلوماسية قوة ناعمة قادرة على صنع السلام، وبناء الشراكات، وتعزيز الثقة في عالم مضطرب، تتسارع فيه المصالح وتتراجع فيه القيم.
إن الحادي عشر من يناير ليس ذكرى تُستعاد، بل وعيٌ يتجدّد، ومسؤولية تتناقلها الأجيال، وطموح نحو العلا. هو شاهد على دولة اختارت أن تبني مستقبلها بعقلانية التخطيط، وحكمة القرار، وثقة الإنسان بقدراته ووطنه، وإيمانها بأن التنمية مشروع مجتمع.
ومع كل خطوة تتقدم فيها سلطنة عُمان، يتأكد أن ما تحقق لم يكن صدفة تاريخ، بل ثمرة رؤية راسخة، وأن القادم يحمل فرصاً أوسع لمن يؤمن بأن الأوطان القوية تُصنع بالإرادة، وتُصان بالعمل، وتزدهر حين يكون الإنسان شريكاً في الحلم والإنجاز.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة