مقال | حين تُكافئ الدولة ما تريد أن تراه

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليس كل إعلان رسمي خبراً عابراً، فبعض الأخبار تُقرأ كوثيقة معنى، وتُفهم بوصفها رسالة موجهة للمجتمع أكثر مما هي بيان إداري، وحين يُعلن ديوان البلاط السُّلطاني، بمباركة من جلالة السُّلطان المعظم، عن إشهار جوائز تحمل اسمه في الثقافة، والبحث العلمي، والاقتصاد والتميّز الرقمي، والتنمية، فإن الدولة لا تُعلن عن مكافآت، بل تُعلن عمّا تعتبره شكل المستقبل، وما تريده أن يتكاثر في وجدان الناس وسلوكهم وأحلامهم.

الدول حين تستقر لا تُكافئ القوة، بل تُكافئ المعنى، وتلك لحظة فارقة في مسار أي نهضة، فالقوة بطبيعتها عابرة أما المعنى فهو ما يبقى، وهو ما يُعاد إنتاجه جيلًا بعد جيل، ومن هنا يمكن قراءة هذه الجوائز باعتبارها خارطة قيم وطنية، تُشير بوضوح إلى أن الإنسان هو نقطة البدء ونقطة الوصول.

جائزة الثقافة والمجتمع تقول إن الهوية ليست حنيناً إلى الماضي، بل وعيًا حيًا يُنظّم الحاضر ويمنح المستقبل جذوره، فالثقافة هنا ليست قصيدة تُلقى ولا كتاباً يُقرأ فقط، بل منظومة أخلاق وسلوك عام، وقدرة على التعايش، وإدارة الاختلاف، وصناعة المعنى المشترك، إنها إعلان بأن المجتمع المتماسك هو أول خطوط الدفاع عن الدولة.

وجائزة البحث العلمي والابتكار تحمل رسالة أكثر حداثة وجرأة: المعرفة لم تعد ترفًا أكاديميًا، بل أداة سيادة، في عالم يُدار بالخوارزميات والمختبرات، يصبح العقل الوطني هو المورد الأثمن، تكريم البحث والابتكار هو اعتراف بأن المستقبل لا يُشترى بل يُصنع، وأن الأمم التي لا تُنتج المعرفة، ستظل مستهلكة لإرادة غيرها.

أما جائزة الاقتصاد والأعمال والتميّز الرقمي، فهي العنوان الأوضح لانتقال هادئ لكنه عميق من اقتصاد الريع إلى اقتصاد القيمة، هنا يُكافأ من يُحسن الإدارة ويبتكر الحلول ويُتقن استخدام التقنية لا بوصفها زينة حداثية، بل كأداة لرفع الكفاءة، وتوسيع الفرص، وبناء اقتصاد قادر على المنافسة والاستدامة.

وفي جائزة التنمية، يتجلّى المعنى الأشمل: تنمية لا تُقاس بالأرقام وحدها بل بالأثر، وبالعدالة وبقدرة الإنسان على أن يشعر أن المكان الذي يعيش فيه يتقدّم معه لا بدونه، تنمية تُوازن بين المركز والأطراف، بين النمو والإنصاف، بين الحاضر وحقوق الأجيال القادمة.

وما يمنح هذه الجوائز ثقلها الحقيقي هو اقترانها باسم جلالة السُّلطان المعظم، فالاسم هنا ليس رمزية بروتوكولية، بل تعبير عن رعاية عليا لمسار الدولة، وإشارة واضحة إلى أن التميز ليس شأناً نخبوياً معزولاً، بل خياراً وطنياً ترعاه القيادة وتنتظر ثماره في المجتمع.

الدول الذكية لا تقول لمواطنيها افعلوا، بل تقول لهم: هذا ما نحتفي به، وهذا ما نكافئه، وهذا ما نريده أن يصبح عادياً ومتكرراً، ومن هذه الزاوية يمكن فهم هذه الجوائز كأداة هادئة لإعادة تعريف النجاح: أن يكون النجاح نافعًا، مستداماً، ومتصلاً بالناس.

في النهاية، هذه الجوائز ليست عن الفائزين فقط، بل عن الرسالة التي تصل إلى كل بيت: ما تزرعه في العقل، والخلق، والعمل، تحصده الدولة استقراراً وقوة ناعمة وتنمية راسخة، إنها دعوة مفتوحة لأن يتحول التميز من استثناء يُحتفى به، إلى ثقافة يُعاش بها الوطن كل يوم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*