مقال | حين أمسكت عُمان مقاليد المعنى قبل مقاليد الحكم

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في الحادي عشر من يناير، لا تحتفي عُمان بيومٍ في الروزنامة، بل بلحظة وعيٍ وطنيٍ عميقة، لحظة أمسكت فيها الدولة مقاليد المعنى قبل أن تمسك مقاليد الحكم. يومٌ لم يُقرأ بوصفه انتقال سلطة، بل استمرار حكمة، وتجديد عهدٍ بين الأرض ومن يقودها، وبين التاريخ وما يُراد له أن يكون مستقبلًا.

كان ذلك اليوم هادئاً كما تُحبّه عُمان؛ بلا ضجيج، بلا استعراض، وبلا خوف. وكأن البلاد، وهي تعبر واحدة من أدق لحظاتها، قررت أن تُعلّم العالم درسًا صامتاً: أن الدول الراسخة لا ترتبك عند المنعطفات، لأن جذورها أعمق من العواصف. فجاء تولي السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم امتداداً لسياقٍ طويل من الاتزان، لا قطيعة فيه ولا فراغ.

في الحادي عشر من يناير، لم يكن السؤال: من يحكم؟. بل كيف يُحكم؟. ولم تكن الإجابة شعاراً، بل مساراً. مسارٌ يقول إن الدولة لا تُدار بالعاطفة وحدها، ولا بالأمنيات، بل بتوازن دقيق بين الواقع والطموح، وبين ما هو ممكن اليوم، وما يجب أن يتحقق غداً.

أمسك السلطان هيثم مقاليد الحكم وهو يدرك أن القيادة في هذا الزمن ليست ترفاً، بل عبئاً أخلاقياً وثقيلاً. عبء أن تقول الحقيقة كما هي، لا كما تُحب الجماهير سماعها. عبء أن تبدأ من الداخل، من ترتيب البيت، من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والموارد، وبين الدولة والإنسان، وبين الحلم والإمكان.

منذ ذلك اليوم، بدأت لغة جديدة تتشكل في الفضاء العام: لغة التخطيط طويل الأمد، لغة الحوكمة، لغة السؤال الصعب. لم تعد التنمية وعداً فضفاضاً، بل مشروعاً له كلفة ومسؤولية، ولم يعد الاستقرار شعاراً، بل معادلة دقيقة تُدار بالعقل والصبر. وكانت الصراحة، في حد ذاتها، أحد ملامح هذا العهد؛ صراحة تقول إن الطريق لن يكون سهلاً، لكن وضوحه يمنح القدرة على السير فيه.

الحادي عشر من يناير هو يوم الدولة العاقلة، لا الدولة المنفعلة. يوم الفعل الهادئ، لا الخطاب المرتفع. يوم فهم فيه العُماني أن القيادة ليست فوق المجتمع، بل أمامه، وأن مقاليد الحكم ليست امتيازاً، بل أمانة، تُمسك بيدٍ ثابتة، وتُراجع بعينٍ ناقدة.

وفي عالمٍ يميل إلى المغامرة، اختارت عُمان، بقيادتها، أن تكون استثناء الحكمة. لا تنجرف مع الموج، ولا تعاديه، بل تُحسن قراءة اتجاهه. لا تراهن على موردٍ واحد، ولا على لحظةٍ عابرة، بل على بناء إنسانٍ قادر، ومؤسساتٍ صامدة، واقتصادٍ يتعلم كيف يقف على قدميه بثبات.

الحادي عشر من يناير ليس احتفاءً بشخص، بقدر ما هو احتفاء بنهج. نهج الدولة التي تؤمن بأن الاستمرارية لا تعني الجمود، وأن التغيير لا يعني الهدم. هو يوم تتجدد فيه الثقة بأن عُمان، وهي تدخل مراحل عالمية رمادية، تعرف كيف تُمسك الخيط دون أن ينقطع، وكيف تشدّه دون أن ينفلت.

في هذا اليوم، يتذكر العُماني أن وطنه اختار الطريق الأصعب: طريق الدولة. طريق الحساب، والعمل، والصبر. طريق لا تُقطف ثماره سريعاً، لكنه يحمي الجذور على المدى الطويل.

وفي كل حادي عشر من يناير، لا نرفع فقط رايات الاحتفاء، بل نجدد السؤال الأهم: هل ما زلنا على بوصلة ذلك اليوم؟. وهل ما زلنا نُحسن الإمساك بمقاليد المعنى، قبل مقاليد الحكم؟.

ذلك هو الاحتفاء الحقيقي.. أن يبقى الوطن متزناً، وأن يبقى المستقبل ممكناً، وأن تبقى عُمان، كما كانت دائماً، دولة تُفكّر قبل أن تُقرر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*