د. قاسم بن محمد الصالحي|
“وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ…” ليست آية تُتلى في سياق الطوفان فقط، بل مشهد إنساني متكرر، يتجدد كلما قرر إنسان أن يصدق رؤيته قبل أن يصدقه الناس. نوح عليه السلام لم يكن يسرد خطاباً نظرياً، كان يعمل. يطرق الخشب في أرض يابسة، فيما تمر عليه جموع قومه ضاحكة، ساخرة، واثقة أن ما يراه جنون، وأن ما لا تفهمه لا يمكن أن يكون حقًا.
هذا المشهد، بكل ما فيه من مفارقة، عاد إلينا في صور مختلفة، وبأسماء جديدة، وأمكنة أقرب إلينا مما نتصور. في نزوى، في العقر تحديدًا، قام شباب بمشاريع سياحية تراثية، لم تبدأ بقروض ضخمة ولا بوعود براقة، بل بدأت بفكرة بدت للبعض ساذجة: إعادة الروح لمكان قديم، وإحياء ذاكرة حجر وطين، وتحويل الحكاية إلى تجربة.
ضحك كثيرون. قيل عنهم «مجانين». كيف يمكن لمقهى صغير في حارة قديمة، أو نُزل تراثي بوسائل بسيطة، أن ينافس فنادق الزجاج والفولاذ؟. كيف لزقاق ضيق أن يصبح مقصداً؟. وكيف لمشروع لا يتكئ على رأس مال ضخم أن يصمد؟ كانت الأسئلة تُطرح لا بدافع الفضول، بل بروح السخرية نفسها التي واجهت نوحاً وهو يصنع الفلك.
لكن الآية لا تتوقف عند السخرية. نوح لم يدخل في جدل طويل، لم يطلب التصفيق، ولم يتراجع ليُرضي الذائقة العامة. واصل العمل. هنا يكمن جوهر الرسالة: المشاريع التي تغيّر الواقع لا تبدأ بإقناع الجميع، بل بإيمان صاحبها بما يفعل، وباستعداده لتحمّل العزلة المؤقتة، وسوء الفهم، والضحك الذي يجرح أكثر مما يُضحك.
في العقر، تحوّل الضحك إلى دهشة. ما كان يُنظر إليه كمغامرة طائشة صار أيقونة من أيقونات السياحة التراثية في عُمان. صار المكان يُذكر في الأدلة السياحية، وتُلتقط له الصور، وتُروى قصته للزوار بوصفه نموذجاً لاقتصاد الفكرة، لا اقتصاد الإسمنت فقط. اكتشف الناس متأخرين أن الجنون الذي سخروا منه كان في الحقيقة رؤية سبقت زمنها.
وهنا، يصبح إسقاط الآية ضرورة فكرية لا ترفًا بلاغياً. «وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ» تعني أن الفعل يسبق الاعتراف، وأن النجاح لا يستأذن الرأي العام قبل أن يولد. كثير من مشاريع الشباب تموت لا لأنها سيئة، بل لأنها تُحاكم مبكرًا بمعايير لم تُخلق لها. يُطلب من الفكرة الصغيرة أن تكون عملاقة منذ يومها الأول، ومن الحلم الوليد أن يسير بثقل الخبرة التي لا تُكتسب إلا بالسقوط والنهوض.
اللافت أن المجتمع نفسه الذي يسخر أولًا، هو ذاته الذي يحتفي أخيراً. وهذا ليس نفاقًا بقدر ما هو طبيعة بشرية؛ الناس ترى النتائج أكثر مما تؤمن بالبدايات. لكن هنا يأتي دور الدولة، والإعلام، والنخب الثقافية: أن تحمي حق التجربة، وأن تخلق بيئة لا تُخجل الشباب من أحلامهم، ولا تصف كل خروج عن المألوف بالجنون.
مشاريع الشباب، خصوصاً في السياحة التراثية، ليست مجرد أنشطة اقتصادية؛ هي فعل مقاومة للنسيان، واستثمار في الهوية، وبناء سفن صغيرة في زمن الأمواج العالية. بعضها سينجو، وبعضها سيتعثر، لكن الأخطر أن نمنعها من الإبحار أصلًا بسبب ضحكة عابرة أو حكم مستعجل.
حين نقرأ آية نوح اليوم، لا نقرأ تاريخاً غابراً، بل نقرأ مرآتنا. كل شاب يحمل فكرة ويبدأ تنفيذها وسط الاستهزاء، هو نوحٌ صغير، يصنع فلكه على اليابسة، منتظراً لحظة يدرك فيها الجميع أن ما سخروا منه كان طريق النجاة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة