مقال | قبل أن يُوقَّع العقد

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لم يأتِ المرسوم السلطاني المتعلّق بالفحص الطبي قبل الزواج من فراغ، ولا هبط على المجتمع فجأة كإجراءٍ إداري بارد، بل جاء كخلاصة وعيٍ تراكمي، وقراءة هادئة لمآلات صمتٍ طال أكثر مما ينبغي. هو مرسوم لا يُخاطب الجسد وحده، بل يخاطب العقل والضمير، ويضع الأسرة العُمانية أمام سؤالٍ بسيط في صياغته، عميق في أثره: هل نريد زواجًا يبدأ بالأمن أم بالمفاجآت؟.

في مجتمعاتنا، اعتدنا أن نقدّس البدايات، ونُجمّل لحظة الزواج بكل ما فيها من فرح ووعود، حتى صرنا نخشى أن يُكدّرها سؤالٌ صحي، أو تقريرٌ طبي، كأن المرض عيب، أو كأن الوقاية تشاؤم. والحقيقة أن ما نخشاه ليس الفحص، بل الحقيقة. والحقيقة -مهما كانت ثقيلة- أقل كلفة من الوهم حين ينكشف متأخراً.

المرسوم السلطاني لا ينتزع من الزواج روحه، ولا يحوّله إلى معاملة مختبرية جافة، بل يعيده إلى أصله: المسؤولية. فالعلاقة التي يُراد لها أن تمتد عمراً، لا يجوز أن تُبنى على جهلٍ يمكن تفاديه، ولا على حسن نيةٍ لا يكفي وحده لحماية الأبناء من أمراض وراثية، أو أعباء صحية، أو آلام نفسية تتراكم بصمت.

في الفحص الطبي قبل الزواج، لا يُسأل الحب عن صدقه، بل يُسأل الوعي عن حضوره. الحب الصادق لا يخاف من الحقيقة، ولا يرى في الطب خصماً للعاطفة، بل حارساً لها. ومن المؤسف أن بعض الأصوات ما زالت تُصوّر الفحص وكأنه شك، أو تقليل من شأن القبول، بينما هو في جوهره أعلى درجات القبول: أن أراك كما أنت، وأن أختارك بعين مفتوحة لا مغمضة.

المرسوم، في بعده الأعمق، ليس صحياً فقط، بل اجتماعي واستراتيجي. فكل أسرة تُبنى على وعي صحي، تُخفف مستقبلًا عبئًا عن المنظومة الصحية، وعن الاقتصاد، وعن المجتمع بأسره. وكل إهمالٍ فردي، مهما بدا بسيطًا، قد يتحول إلى تكلفة عامة تُدفع من صحة الأطفال، ومن استقرار البيوت، ومن مشاعر لا تُحصى.

ثم إن في القرار شجاعة هادئة؛ شجاعة الدولة حين تتقدم خطوة لحماية مواطنيها، حتى وإن سبقت وعي بعضهم. فالدولة لا تنتظر دائماً الإجماع الشعبي لتفعل الصواب، بل تقوده حين يستدعي الأمر. وهذا المرسوم مثال على سياسة لا تُدار بردود الأفعال، بل بالاستباق.

ولعل الأهم أن المرسوم يُعيد تعريف مفهوم “الخصوصية”. فالخصوصية لا تعني أن أخفي ما قد يؤذي شريك حياتي، ولا أن أترك القدر يُختبر بأقسى صوره. الخصوصية الحقة هي أن أتحمّل مسؤوليتي الأخلاقية كاملة، قبل أن أطالب بحقي العاطفي.

لسنا أمام إجراءٍ ضد الزواج، بل أمام قرارٍ مع الزواج؛ مع استمراره، مع استقراره، مع أن يكبر الأبناء في بيوتٍ أقل قلقاً، وأكثر طمأنينة. هو مرسوم يقول ببساطة: لا نريد زواجًا يبدأ بالصدفة، بل بالعلم، ولا أسرة تُترك للحظ، بل تُسند بالوعي.

قبل أن يُوقَّع عقد الزواج، وقّع هذا المرسوم عقداً أوسع مع المجتمع: عقد حماية، وعقد صدق، وعقد إيمان بأن الوقاية ليست خوفًا من القدر، بل احترامًا للحياة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*