د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليس استقبال عامٍ جديدٍ مجرد تبديل رقمٍ في التقويم، ولا هو طقسٌ عابر تُؤدَّى فيه الأمنيات على عجل، ثم تُنسى. نحن، في عُمان، حين نستقبل 2026، نقف على عتبةٍ أعمق من عامٍ مقبل؛ نقف على خمس سنواتٍ مكتملة من عمر النهضة المتجددة، سنواتٍ لم تكن سهلة، ولم تكن أيضًا عادية، بل كانت اختباراً صامتاً لقدرتنا على الانتقال من الفكرة إلى الفعل، ومن الحلم إلى النظام.
خمسة أعوام مرّت، تعلّمنا فيها أن النهضات لا تُقاس بحجم الشعارات، بل بمدى قدرتها على إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين الطموح والواقع، بين ما نريده وما نستطيع بناءه خطوةً خطوة. تعلّمنا أن الإصلاح الحقيقي لا يُصفّق له في بداياته، لأنه غالباً ما يبدأ بتصحيحٍ موجع، وبأسئلةٍ غير مريحة، وبقراراتٍ تُربك المألوف قبل أن تُرسّخ البديل.
2026 يأتي، وعُمان ليست كما كانت في 2020، ليست أفقر ولا أغنى فقط، بل أكثر وعياً بكلف الأشياء، وأكثر إدراكاً أن الاستدامة ليست كلمة أنيقة، بل سلوك يومي، وأن إدارة المال العام ليست تضييقاً، بل حماية للغد. ما كان يُنظر إليه يوماً كعبء، بات اليوم يُرى -ولو بتأخر- كشرطٍ لازمٍ لبقاء الدولة قوية، عادلة، وقادرة على الوفاء بالتزاماتها.
في هذه السنوات الخمس، تغيّر خطابنا عن العمل. لم يعد التوظيف وعداً مطلقاً، بل صار تمكيناً ومسؤولية. تغيّر حديثنا عن الدعم، فلم يعد حقًا بلا مقابل، بل عقدًا أخلاقياً بين المواطن والدولة. تغيّر فهمنا للاقتصاد، فانتقل من انتظار الريع إلى البحث عن القيمة، ومن الاعتماد إلى المبادرة، ومن السؤال: “ماذا ستفعل الدولة.” إلى السؤال الأهم: “ما الذي أستطيع أن أفعله معها؟”. غير أن الاعتراف بالتحوّل لا يعني إنكار القلق.
فالقلق جزءٌ طبيعي من المجتمعات الحيّة. نعم، هناك من يشعر بثقل المرحلة، ومن يخشى على دخله، أو وظيفته، أو مستقبله. وهذا شعور لا ينبغي الاستهانة به، بل الإصغاء إليه، لأن النهضة التي لا تسمع الناس، تفقد معناها. لكن القلق ذاته يمكن أن يكون وقودًا للتكيّف، إذا اقترن بالثقة، وبوضوح المسار، وبصدق الخطاب. 2026 ليس عامًا للحسم، بل عاماً لتثبيت الاتجاه.
عامٌ نحتاج فيه إلى ترسيخ ما بدأناه: مؤسسات أكثر كفاءة، خدمات أكثر انضباطًا، اقتصاد أقل هشاشة، ومجتمع أكثر مشاركة. نحتاج فيه إلى أن نُحوّل رؤية عُمان 2040 من وثيقة تُقرأ، إلى ممارسة تُعاش في المدرسة، والوظيفة، والسوق، والحيّ.
والأهم، نحتاج فيه إلى ترميم الثقة اليومية الصغيرة: ثقة الموظف بأن جهده مُقدَّر، وثقة المواطن بأن صوته مسموع، وثقة المستثمر بأن القواعد ثابتة، وثقة الشاب بأن المستقبل ليس مغلقًا، بل يحتاج إلى مفاتيح جديدة.
نستقبل 2026، لا بالألعاب النارية، بل بالأسئلة الصحيحة: كيف نكون أكثر إنتاجاً؟، كيف نكون أقل هدراً؟، كيف نحمي تماسكنا الاجتماعي ونحن نغيّر اقتصادنا؟. وكيف نُبقي الإنسان في قلب النهضة، لا على هامشها؟.، خمسة أعوام مضت.. والطموح اليوم أقرب إلى التحقيق، لا لأنه صار أسهل، بل لأننا صرنا أكثر استعداداً لدفع ثمنه. وهذا، في حساب الأمم، هو الفرق الحقيقي بين بدايةٍ عابرة، ونهضةٍ تعرف إلى أين تمضي.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة