د. قاسم بن محمد الصالحي|
في أحاديث جدتي ووالدي، كانت تتردد كلمات تبدو اليوم بسيطة: “الهنقري” و”البيدار”. كلمة الأولى لصاحب المال والأرض، والثانية لمن يزرع ويحصد، من يضع يده في الأرض وينقّب عن البركة كل صباح. لكن هذه الكلمات الصغيرة كانت تحمل مدرسة كاملة للحياة والعمل، أكثر عمقًا من أي كتاب حديث عن الإدارة أو الاستثمار.
“الهنقري”لم يكن مجرد مالك ينتظر الربح بلا جهد، بل كان شريكاً في الرؤية، يوفّر الأرض، الموارد، رأس المال، ويضع ثقته في “البيدار”. و “البيدار”، من جانبه، لم يكن مجرد عامِل، بل من يزرع ويعتني بالأرض ويعرف قيمة كل قطرة عرق، ويحرص على أن يتحول كل جهد إلى إنتاج يشهد له الجميع. لم يكن هناك ترفع عن العمل، ولا استخفاف بالجهد، بل احترام لكل دور، وكل قطرة عرق، وكل شبر من الأرض.
هذا المفهوم يشبه إلى حد بعيد ما نعرفه اليوم بالاستثمار المشترك: شراكة بين من يملك المال ومن يملك الخبرة والمهارة، هدفها النجاح المشترك. اليوم، قد يكون رأس المال مالًا أو تقنية أو معدات، وقد يكون الجهد إدارة أو ابتكار أو تنفيذ، لكن المبدأ نفسه لم يتغير: التزام، إتقان، ومكاسب عادلة.
شباب اليوم، في هذا الدرس من الماضي، هناك حكمة لا تقدر بثمن: لا تقللوا من قيمة الجهد، ولا تستصغروا رأس المال مهما كان صغيرًا. فالنجاح الحقيقي هو في التناغم بين الاثنين. وأجدادنا، رغم بساطة أدواتهم، نجحوا في بناء شراكات قائمة على الثقة والسمعة، بينما نحن نملك الآن أدوات وثائقية وتقنيات لقياس المخاطر والتخطيط طويل المدى.
تخيلوا معي مزرعة صغيرة في قلب الريف: شاب يمتلك المال يمكنه التعاون مع آخر يمتلك الخبرة الزراعية. يضعان اتفاقاً واضحاً، يلتزمان بالإتقان، ويقسمان الأرباح بعد الجهد المشترك. هذا نموذج “الهنقري والبيدار” في العصر الحديث: رأس المال والخبرة يتحدان بلا ترفع أو غرور، وكل نجاح صغير شهادة على التعاون الحقيقي والاحترام المتبادل.
ولن أبالغ إن قلت إن الماضي كان مليئاً بالصور التي تحاكي هذا المعنى: يد تزرع، ويد تمسك الحصاد، ويد المال تشارك في كل خطوة، ويد البيدار تحول التعب إلى بركة. كل شبر زرع، كل حصاد حصد، كل جهد بذل، كان درسًا في الصبر والمثابرة، وفي قيمة التعاون قبل أي شيء آخر.
اليوم، شبابنا، دعوا هذه الروح ترافق مشاريعكم: قيموا كل جهد، احترموا كل رأس مال، وثقوا بأن النجاح لا يأتي من المال وحده ولا من العمل وحده، بل من شراكة متوازنة، إتقان في الأداء، ووفاء بالواجب. الهنقري والبيدار ليسا مجرد ألقاب من الماضي، بل فلسفة عمل: تعاون، احترام، وإتقان، تصنع النجاح الحقيقي، وتزرع البركة في كل مشروع، صغيرًا كان أم كبيراً. في كل فكرة جديدة، في كل مشروع، وفي كل خطوة نحو المستقبل، تذكّروا: اليد التي تعطي، واليد التي تعمل، كلاهما قيمة لا تُقدّر بثمن، وكل نجاح صادق هو صدى لهذه الحكمة القديمة، التي ما زالت تعيش معنا، تدعونا لنحترم العمل، المال، والجهد معاً.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة