د. قاسم بن محمد الصالحي|
في كل مرة نختلف فيها حول تشخيص حال المجتمع، لا يكون الخلاف في الوقائع ذاتها بقدر ما يكون في زاوية النظر إليها. فالمشهد واحد، والأحداث متقاربة، لكن القراءة تختلف باختلاف العقول. هنا يتبدّى الفارق الجوهري بين اليائس والحكيم؛ كلاهما يرى الجزء الفارغ من الكأس، غير أن أحدهما يحوله إلى حكمٍ نهائي، فيما يجعله الآخر مدخلًا للفهم.
اليائس لا يتعب نفسه كثيراً. يختزل الواقع في قضية واحدة، ويمنحها قدرة سحرية على تفسير كل ما تعثر وتأخر. فإن اختلّ الاقتصاد، فالمشكلة هناك فقط. وإن تراجع الأداء، فالعلة في جهة بعينها. هكذا تصبح المجتمعات، في نظره، ضحية سبب واحد، ويغدو الإصلاح مجرد قرار واحد مؤجل. هذه النظرة، على بساطتها، تمنح صاحبها راحة مؤقتة؛ فهي تعفيه من عناء الغوص في التعقيد، ومن مسؤولية الاعتراف بأن الأزمات الكبرى لا تولد من رحم عامل واحد.
أما الحكيم، فيتعامل مع الفراغ بوصفه علامة لا لعنة. لا ينكر وجود الخلل، ولا يجمّله، لكنه يرفض اختزاله. يدرك أن التحديات التي تواجه المجتمعات تتشابك كما تتشابك خيوط النسيج؛ سياسة تتقاطع مع اقتصاد، وإدارة تتأثر بثقافة عامة، وتشريع يسبق وعيًا أو يتأخر عنه. لذلك لا يبحث عن إجابة سريعة، بل عن فهم أعمق، ولا يرفع شعاراً واحداً، بل يطرح أسئلة متعددة.
في واقعنا اليوم، يكثر من يعتقد أن مشكلاتنا تكمن فقط في قضية واحدة بعينها، وكأن المجتمع كيان بسيط يمكن إصلاحه بمفتاح واحد. هذا الاعتقاد، وإن بدا في ظاهره حرصًا، هو في جوهره نوع من اليأس المقنّع؛ لأنه يحوّل التعقيد إلى تبسيط مخلّ، ويستبدل العمل الطويل الأمد بلغة الاتهام السريع.
الحكيم، على النقيض، لا يقف طويلًا عند اللوم، بل عند الترابط. يرى
أن الإصلاح ليس مساراً مستقيماً، بل شبكة من الخطوات المتزامنة: وعي يُبنى، وأنظمة تُراجع، وثقافة مسؤولية تتكرس، قبل أن تُحصَد النتائج. وهو يعلم أن المجتمعات لا تتقدم بالقفز فوق المراحل، بل بفهمها.
الفرق بين اليائس والحكيم ليس في مقدار الألم مما نعيشه، فالألم واحد، بل في مآله. اليائس يحوّل ألمه إلى ضيق أفق، والحكيم يحوّله إلى سعة إدراك. الأول يرى الفراغ نهاية الحكاية، والثاني يراه سؤالها الأهم.
وفي زمن تتزاحم فيه الأصوات، قد نكون أحوج ما نكون إلى هذا النوع من الحكمة؛ حكمة لا تنكر النقص، ولا تختصر الواقع، ولا تبحث عن خلاص سريع، بل تتّسع للمشهد بكل ما فيه. فالمجتمعات لا تنهض بالأجوبة السهلة، بل بالأسئلة الصعبة التي تُطرح بشجاعة وصبر.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة