مقال | رجالٌ علّموا الجبل نشيد الوحدة.. والوطن الذي لا تهزّه ريح الانقسام

د. قاسم بن محمد الصالحي|

هناك أوطانٌ يكتب تاريخها الملوك، وأوطانٌ يكتبه الشعراء، وأوطانٌ يكتبه الرجال. الرجال الذين يمشون على الأرض فتسمع خطاهم الجبال قبل البشر. عُمان من هذا القبيل؛ بلدٌ صاغته أكتافٌ حملت الأمن كما تُحمل الوصايا الكبرى، وقلوبٌ أشد صفاءً من الماء الذي يجري في عروق الأفلاج.

وحين يعلو ضجيج الخلاف اليوم في بعض أرجاء المنطقة، وحين تتكاثر شظايا الصراعات الأهلية من حولنا مثل غبارٍ يبحث عن نافذة يتسلّل منها، نتذكر – بصفاء اليقين – أن هذا الوطن قد رسّخ وحدته رجالٌ لا تهزمهم الرياح. رجالٌ كانوا إذا وقفوا على أطراف الصحراء، سكت الرمل احتراماً؛ وإذا مرّوا بين القرى، تغيّر الهواء وكأنه يريد أن يبقى أطول قليلاً بين أيديهم.

هؤلاء الرجال – جنوداً وقادةً وحماةً بسطاء من صميم الأرض – لم يحرسوا البلاد فحسب، بل حرسوا المعنى الأرقى: معنى أن تبقى العائلة الكبيرة اسمها “عُمان”، مهما تغيّر الزمن وتكاثفت العواصف. لم يحموا وحدة الجغرافيا فقط، بل وحدة الروح، تلك التي إذا انكسرت لا تجبرها الخرائط ولا تعيدها القوانين.

نحن اليوم متمسكون بما رسّخوه؛ متمسكون بالوحدة كما يُمسك البحّار بحبل السفينة في ليلةٍ مضطربة. فمهما دارت الانقسامات في الإقليم من حولنا، ومهما اشتعلت الخصومات على أبواب الآخرين، يبقى هذا البلد واقفاً، يشبه نخلةً صامدةً في وجه أربع رياح، جذورها أعمق من أن تهزّها موجةٌ عابرة، وساقها أصلب من أن تميل لغير الحقّ والخير والسلم.

لقد تركوا لنا من بعدهم ضوءاً لا ينطفئ؛ ضوءاً لا يُرى بالعين، بل يُسمع بالقلب. ضوءُ رجالٍ صنعوا من الأمن نشيداً، ومن التضحية جسراً، ومن الوحدة معياراً نقيس به أنفسنا كلما انحرفنا عن الطريق.

وإذا كنّا نرى حولنا خرائط تُعاد صياغتها، وأصواتاً تنقسم، وأقاليم تتشظى، فإن عُمان تبقى قصيدة مكتملة البيت، لا يضيف إليها الزمن إلا جمالاً آخر. تبقى وطناً يضع الخلاف في حجمه الطبيعي، ويضع الوحدة في مقامٍ أعلى من كل رأي، وأثمن من كل نزاع.

لذلك نقول بثقةٍ هادئة: إن الصراعات الأهلية قد تهزّ المنطقة بأسرها، لكنّها لا تجد في عُمان فتحةً تعبر منها، ولا ظلاً كبيراً تقف تحته. فهنا، لا يزال صوت الرجال الذين مضوا يردّد في أعماقنا: “ابنوا على ما بنيناه.. واحملوا الوحدة كما حملناها”.

وهكذا نفعل، نمضي مطمئنين، كأن السماء تبارك خطانا، وكأن الوطن – بفضلهم وبفضل تمسّكنا – أكبر من كل ريح، وأصفى من كل غبار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*