مقال | بكل معنى الكلمة

د. محفوظ بن خميس السعدي|

تشدّك أحياناً معلومةٌ بعينها، فتؤثّر فيك بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، وتجعل الكلمات تتدفّق سيلًا على أسنّة الأقلام، بما يدفعك – لزوماً – إلى أن تكتب فيها مقالًا، لعلّ وعسى أن يكون له أثر في نفس القارئ الكريم وعقله.

ونحن على أعتاب خواتيم عام 2025م، بكل أحداثه وأفكاره وفقاعاته التي طالت أيامه وأشهره، وأثناء تقليب جهاز التحكّم عن بُعد بين أيدي المشاهدين للتلفاز، وقعتُ على إحدى القنوات الفضائية المصرية الخاصة. ذكر مقدّم البرنامج أنّ أكثر من 38% من المصريين يشترون احتياجاتهم من المنصّات الرقمية المنتشرة على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، وبشكل أدق من وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك من أصل نحو 50 مليون مصري يستخدمون ما يُعرف اليوم بـ”السوشيال ميديا” في عام 2025م، دون احتساب كبار السنّ أو الرضّع، مقارنة بعام 2011م.

وهنا قد لا تبدو هذه المعلومة – بهذه الكيفية – لافتة للنظر للوهلة الأولى، غير أنّ التوقّف عند هذه النسبة في بلد يُعدّ الأوّل من حيث القوّة البشرية السكانية على مستوى العالم العربي يجعلك تقف مشدوهاً؛ إذ إنّ هذا الرقم، سواء من حيث النسبة أو العدد، يضع أمامك سؤالًا ملحًّا: إلى أين نتّجه فعلياً؟.

ويحقّ لنا، تبعاً لذلك، القول إنّ عام 2025م هو عام التقانة، وعام الذكاء الاصطناعي على وجه التحديد. غير أنّ سؤالًا آخر لا يقلّ إلحاحًا يفرض نفسه: هل نحن من يدير حياتنا، أم أنّ وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي هما من سيتولّيان إدارتها فعليًا؟

ولو افترضنا أنّ هذه النسبة من مستخدمي منصّات التواصل الاجتماعي في بلدٍ لا يتجاوز عدد سكانه ثلاثة إلى أربعة ملايين نسمة، تقارب النسبة ذاتها في بلدٍ يفوق تعداده مائة مليون نسمة، فإننا نكون أمام مشكلة – أو تحدٍّ – كبير، بكل صراحة. فهذه المنصّات، من خلال أيقونة إعادة النشر أو “الريتويت”، تشكّل كرة ثلج تتكوّر ثم تتدحرج، لتصنع أولوياتنا، وتشكل رأياً عاملً حول قضيّة ما، قد يكون منبعها كذبة، أو خبراً زائفاً، أو نتاج فهمٍ قاصر، فيتولّد عنه سوء فهم لدى المتلقّي.

وإذا اتجهنا إلى زاوية أخرى تتعلّق بمدى اتّساع وانتشار المعلومة، نجد – على سبيل المثال لا الحصر – أنّ إيصال المعلومة في موريتانيا تطلّب وجود أربع مؤسّسات إعلامية عمومية يومية، و250 موقعاً إلكترونياً، و66 صحيفة ورقية، و11 قناة سمعية بصرية. وهذه الأرقام في بلد لا يتجاوز عدد سكانه خمسة ملايين نسمة، وتتجاوز فيه نسبة الأميّة 40%، بينما تتراوح نسبة الولوج إلى الإنترنت بين 65% و70%، وفق إحصائية أُنجزت خلال الفترة من نوفمبر 2025م إلى الخامس من ديسمبر 2025م، استنادًا إلى الأرقام الرسمية الواردة في مجلة الصحافة الصادرة عن معهد الجزيرة للإعلام، عددها التاسع والثلاثون، للسنة التاسعة لعام 2025م.

ولكي لا نبتعد عن لبّ الإشكالية، فإنّها تتعلّق بالآثار المترتّبة على هذه الفوضى المعلوماتية الجبّارة، في مقابل مصادر مفتوحة ومتعدّدة، تهدّد الأمن القومي والسلم الأهلي والاجتماعي، من خلال منصّات رقمية مهدَّدة بانهيار الأمن السيبراني، ومع تعاظم الذكاء الاصطناعي وتغلغله في مفاصل حياتنا اليومية، بات من الصعب التمييز بين الزائف والمفتعل والمصطنع، وبين الحقيقي والواقعي والمشاهد والملموس.

وهنا يحضرني استدراك واستذكار لمقال الكاتب الأنيق عبد اللطيف الزبيدي في جريدة الخليج الإماراتية، في زاويته (لزوم ما يلزم)، على وزن (بكل معنى الكلمة)، في صباح الخامس والعشرين من نوفمبر 2025م، بعنوان الضروري في الذكاء الاصطناعي، إذ يقول:

“ملهاة أن يكون الإنسان لا يستخدم من دماغه غير 10%، وأن يأتي الذكاء الاصطناعي فيركله خارج الميدان”.

تشير هذه المقولة إلى أنّ ملكات الإنسان وقدراته، بعدما كانت الحواسيب وانتشارها سببًا في اضمحلال الكتابة على الورق والتسابق إلى لوحات المفاتيح، أدخلتنا في مأزقٍ آخر؛ إذ عطّل الإنسان – طوعًا – ما وُهب له من ملكات وقدرات، تلك (الطاسة المجانية) فوق رأسه، وهي منحة إلهية عظيمة.

فنجد اليوم أنّ أجيالاً كاملة – جيل X، وجيل Y (جيل الألفية)، وجيل Z – قد بُنيت آمالها وتوجّهاتها على تصوّرات معيّنة، لتأتي هجمة الذكاء الاصطناعي المرتدّة، واضعةً نفسها موضع الإنسان في تنفيذ الأوامر وصياغتها بل وإنجازها. بل إنّ البعض بات يبحث حتى عن المشاعر والأحاسيس، ولعلّي لا أبالغ إن قلت إنّ قصيدة يكتبها الذكاء الاصطناعي قد تحمل في طيّاتها من الفرح والحزن والغضب الكثير، لأنّ الكلمات – في ذاتها – هي ما يصنع هذه الانفعالات عند الإنسان الممتلئ بالمشاعر.

وهنا قد لا تفرّق بين قصيدة كُتبت بوسائط الذكاء الاصطناعي، وأخرى كُتبت باستخدام العقل البشري ذاته. أضحى التباعد بديلًا عن التلاقي، وأضحى العقل بعيدًا عن التفكير والتفكّر، حتى ملكة الكتابة لم تعد تُستدعى؛ إذ صرنا نُملِي على الآلة لتكتب، ثم تُرسل، لأنّنا لم نعد نكتب ولا نُرسل بأيدينا.

وهكذا، يدفع القادمون الجدد بالمغادرين القُدامى، ليغدو الإنسان مجرّد “خشبٍ مسنّدة”، تقوم مقامه آلات تُسمّى روبوتات تعمل بالذكاء الاصطناعي. ويشرح كتاب الثورة الرابعة كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني، وهو من تأليف لوتشيانو فلوريدي، وترجمة لؤي عبد المجيد السيد، ضمن سلسلة عالم المعرفة الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت (العدد 452، سبتمبر 2017م).

كما يعطي كتاب ملف غوغل للمؤلفين نورستين فريكه وأولريش نوفاك، بترجمة عدنان عباس علي، والصادر ضمن السلسلة نفسها (العدد 450، يوليو 2017م)، انطباعاً بأنّ إيلون ماسك ليس وحده من يتحكّم بتفاصيل حياتك اليومية، بل هناك مجالس إدارات وشركات كبرى تعمل في الظل، تدير حياتك، وتضع برنامجك اليومي، وتجعل من السهل معرفتك، ومعرفة إلى أين تتّجه، بل والانقياد دون أن تسأل قبل أن تركب قطار الحياة.

فبكلّ معنى الكلمة، ونحن على مشارف سنة ترحل وأخرى تُقبل، نجد أنّ الذكاء الاصطناعي هو شخصية العام بلا منازع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*