د. قاسم بن محمد الصالحي|
في الأيام الماضية، ارتفعت الأصوات قبل أن تُفتح الملفات، وتدافعت الهواجس قبل أن تُقرأ البنود، وكأن اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين عُمان والهند جاء بجرّة قلم، والحقيقة أبعد من ذلك كثيراً، فالاتفاق لم يكن قفزة في العتمة، بل مساراً طويلاً من التفاوض والتدقيق والمراجعة المؤسسية في البلدين، شاركت فيه عقول قانونية واقتصادية تعرف حساسية الموقع وضرورات المصلحة الوطنية.
من حق المجتمع أن يقلق؛ فالقلق حرص لكن من واجب النقاش العام أن يُدرك أن هواجس الناس لم تُهمل: لم تُفرَّط الممرات البحرية، ولم تُفتح الأسواق بلا ضوابط، ولم يُغفل الخط الفاصل بين الشراكة والمساس بالسيادة، ذلك كله كان على طاولة التفاوض بنداً بنداً؛ فالمفاوض العُماني لم يدخل التجربة خالي الوفاض، بل مدركاً لتاريخ بلاده وأدوارها وموقعها الذي لا يسمح بخفة القرار.
الاتفاق في جوهره، أفق استراتيجي جديد لعُمان في المحيط الهندي، فالعالم يعيد رسم خرائط النفوذ حول بحر العرب، والهند قوة اقتصادية صاعدة لا يمكن تجاهل حضورها، وسلطنة عُمان بحكم الجغرافيا والموانئ وشبكات الربط، ليست متفرجاً في هذه التحولات إنها شريك يعرف أن الفرص لا تنتظر المترددين.
قد لا ترضي التفاصيل الجميع، وقد يبقى في الذهن سؤال أو تحفظ؛ وهذا طبيعي، لكن القراءة المتأنية تقول إن الاتفاق شراكة لا تبعية، ومساحة حركة لا قيداً، ونفاذاً إلى أسواق وبحار لا إلى التزامات تمسّ الثوابت الوطنية.
المشهد يحتاج طمأنينة قبل الأحكام، وإلى تذكير بسيط: الشراكات الكبرى لا تُدار بالشعارات، بل بالتفاصيل.. وتلك التفاصيل كانت في يد من يعرف قيمتها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة