مقال | عُمان والهند.. من سوقٍ للاستهلاك إلى منصةٍ للعبور

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في زمنٍ صار فيه العالم يُقاس بخطوط الملاحة أكثر من خرائط اليابسة، لم يعد الموقع الجغرافي مجرد صدفة تاريخية، ولا الميناء مجرد بابٍ للبضائع؛ بل تحوّل الممرّ البحري إلى سلطة، والمنصّة اللوجستية إلى نفوذ، ولعلّ الشراكة العُمانية-الهندية في لحظتها الراهنة، تمثل هذا التحوّل بأوضح صوره: علاقة تنتقل من نمط المستهلك والمورّد إلى صيغة العبور والتوزيع وإعادة التصدير.

لسنا أمام شراكة تقليدية تبحث عن تخفيض جمركي أو زيادة حجم استيراد؛ فذلك تاريخ متحقق منذ قرون، الهند كانت – ولا تزال – شريانًا للسلع والمنتجات واليد العاملة، ولكن الاقتصاد الحديث لم يعد يحتفي بالمستهلكين بقدر ما يحتفي بالعُقَد التي تنهض عليها سلاسل الإمداد، إذ أن قيمة الدولة اليوم؛ تتجلى في: أين تُخزن البضاعة؟ أين يعاد تغليفها؟ ومن أي ميناء تخرج إلى أسواق العالم؟

هنا تتقدم سلطنة عُمان، لا بصفتها سوقًا لمنتجات الهند، بل منصّة للهند نفسها؛ منصّة تعبر منها البضائع نحو الخليج وشرق أفريقيا، وترسو فيها خطوط الطاقة التقليدية والمتجددة، وتُجرَّب عليها مشاريع التكنولوجيا والدواء والتعليم التقني.

إنّ الدقم وصلالة وصحار لم تعد محطات في الأطلس، بل سجلًا جديدًا للتجارة الآسيوية، وإذا أحسنت عُمان صياغة هذه المرحلة، فإن الموانئ لن تكون مجرد أرصفة؛ بل ذاكرة اقتصادية تستثمر تاريخ بحر العرب بوصفه طريقًا ثالثًا بين الشرق والغرب.

الهند الصاعدة لا تبحث عن مشترٍ إضافي، بل عن نافذة إقليمية موثوقة، وعُمان التي راكمت عبر تاريخها قيمة الحياد والوساطة وحسن الجوار، هي القادرة على منح هذه الثقة، فالمصالح الاقتصادية تترجم في نهاية المطاف، إلى رأسمال سياسي؛ وحين تحتاج نيودلهي إلى حضور موزون في الخليج، تصبح مسقط جسرًا نحو الخليج.. ونحو الإندو–باسيفيك معًا.

إنّ ما نحتاجه اليوم ليس التفاخر بحجم الواردات، بل بقدرتنا على توليد قيمة مضافة: تصنيعٌ يعاد تصديره لا استهلاكه فحسب، وأبحاث دوائية تعبر بالمعرفة إلى الداخل المحلي، ومشروعات للهيدروجين الأخضر والأمونيا تتحوّل إلى تجارة المستقبل لا رواسب الماضي، وتعاونٌ تقني يكوّن كوادر وطنية، بدل الدوران في حلقة الاستقدام الرخيص.

بهذه الرؤية، تتجاوز عُمان دورها التاريخي، فبدلًا من أن تكون زبونًا كبيرًا للأسواق الآسيوية، يمكن أن تصبح موزعًا إقليميًا، ومرفأً للمعرفة، وموقعًا لإعادة تشكيل سلاسل القيمة، كما أن المنصّة هنا ليست مبنى أو ميناء؛ إنها فكرة إدارة جغرافيا لصالح الاقتصاد.

يبقى السؤال الذي يختبر شجاعة صانع القرار: هل نكتفي بعلاقة توريد تقليدية، أم نفتح الطريق لاقتصادٍ يعبر بنا من الاستهلاك إلى تصنيع القيمة؟

الإجابة ليست في البيان الختامي لاتفاقية أو زيارة، بل في كيفية تحويل البحر إلى مورد استراتيجي، والموانئ إلى صنّاع أدوار، والشراكات إلى نفوذ.وحين يتحقق ذلك، يمكن القول بثقة: عُمان ليست مستهلكًا للهند.. بل منصّة لها، وإحدى بواباتها نحو العالم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*