مقال| الوظيفة السياحية.. بين الحلم المؤجَّل وسوق العمل الممكن

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لا تبدو السياحة، في المخيال العام، وظيفةً بقدر ما تبدو موسماً. نشاطاً عابراً، لا مساراً مهنياً مستقراً. هكذا يُنظر إليها غالباً، لا انتقاصاً من أهميتها، بل نتيجة تراكم تصوّرات قديمة لم تُفكَّك بعد. ومع ذلك، فإن الباحث العُماني عن عمل يقف اليوم أمام قطاع سياحي يتّسع في الخطاب، ويتردّد في الممارسة، بين وعد النمو وسؤال الجاذبية.

في الوثائق الرسمية، تُقدَّم السياحة بوصفها رافعة اقتصادية، ومحرّك تنويع، ومجالاً خصباً للتوظيف. أرقام الزوّار في تصاعد، والمشاريع تتكاثر، والوجهات تتنوّع من البحر إلى الجبل، ومن التراث إلى المغامرة. لكن حين ننتقل من الصورة الكلّية إلى تجربة الباحث عن وظيفة، تتبدّى فجوة هادئة: القطاع حاضر، لكن الوظيفة السياحية لم تكتمل بعد بوصفها مساراً مهنياً مطمئناً.

أولى الإشكاليات تكمن في طبيعة العمل ذاته. فالسياحة بطبيعتها موسمية، متقلّبة، مرتبطة بالطلب الخارجي والظرف الجغرافي. غير أنّ هذه الطبيعة لا تبرّر هشاشة التوظيف بقدر ما تتطلّب سياسات أذكى لإدارتها. الباحث العُماني لا يرفض العمل الموسمي، لكنه يتحفّظ على أن يتحوّل الموسم إلى نمط حياة بلا أفق. ما يُطلب منه هو المرونة، وما لا يُمنح له هو الاستقرار النسبي الذي يجعل المرونة خياراً لا قدراً.

ثم تأتي مسألة الصورة الذهنية. ما زالت الوظيفة السياحية، في الوعي المجتمعي، محصورة في أدوار ضيّقة: استقبال، خدمة، إرشاد. بينما يغيب عن النقاش اتّساع السلسلة السياحية بكل ما تحمله من فرص إدارية، تسويقية، لوجستية، ثقافية، وإبداعية. هذا الاختزال لا يظلم القطاع فحسب، بل يحدّ من إقبال الكفاءات الوطنية عليه، ويُبقيه رهينة عمالة عابرة لا ترى فيه مستقبلاً.

ولا يمكن تجاهل فجوة الأجور والحوافز. فالباحث العُماني، وهو يقارن بين القطاعات، لا يفعل ذلك بدافع الترف، بل بدافع الحياة. حين لا تتناسب الأجور مع ساعات العمل، أو حين تغيب المزايا الوظيفية الأساسية، يصبح الشغف وحده غير كافٍ. السياحة قد تكون شغفاً، لكنها في النهاية وظيفة، والوظيفة عقد حياة لا تجربة مؤقتة.

في المقابل، لا يخلو القطاع من مقوّمات جذب حقيقية. طبيعة العمل المتجدّدة، الاحتكاك بالعالم، تنوّع المهارات المكتسبة، وإمكانية النمو الريادي، كلّها عناصر تجعل السياحة بيئة خصبة للعُماني إذا ما أُعيد تصميمها بوصفها مساراً لا محطة. وهنا يبرز دور الدولة لا كمشغّل مباشر، بل كمنظّم ذكي: يربط بين التعليم السياحي واحتياجات السوق، يضبط معايير التوظيف، ويحفّز الاستقرار دون أن يقتل المرونة.
إنّ الإقبال على الوظيفة السياحية لا يُبنى بالحملات الترويجية وحدها، بل ببناء الثقة. ثقة الباحث بأن دخوله هذا القطاع ليس خروجاً من الأمان، بل انتقالاً إلى أفق مختلف. ثقة المجتمع بأن العمل السياحي قيمة مضافة لا خيار اضطراري. وثقة المستثمر بأن توطين الوظيفة ليس عبئاً، بل استثمار في الجودة والاستدامة.

سوق العمل السياحي في عُمان لا يعاني نقص الإمكانات، بل يحتاج إلى إعادة تعريف. أن ننتقل من سؤال: “لماذا لا يقبل العُماني على السياحة”؟. إلى سؤال أدق: “كيف نجعل الوظيفة السياحية جديرة بالإقبال”؟. عندها فقط، يصبح القطاع مساحة التقاء بين الطموح الوطني، والباحث عن عمل، وزائر جاء ليكتشف المكان.. فوجد الإنسان جزءاً من التجربة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*