مقال | صُور.. حين يلتقي البحران في مسقط

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في يومٍ تتجه فيه الأنظار إلى مسقط، حيث يستقبل جلالةُ السُلطان المعظم، حفظه الله ورعاه، رئيسَ جمهورية لبنان في زيارة رسمية، تبدو الجغرافيا كأنها تستعيد شياً من ذاكرة البحر القديم. فاللقاء ليس مناسبة بروتوكولية فحسب، بل هو لحظة تتقاطع فيها صُور العُمانية وصُوَر اللبنانية في سجلٍ واحد، يحمل من التاريخ أكثر مما يحمل من السياسة.

المدينتان اللتان حملتا الاسم نفسه – وإن افترقتا في البحر – ظلتا متشابهتين في الروح: في صور اللبنانية كان الفينيقيون يعلّمون العالم كيف تُشق الطرق البحرية.

وفي صور العُمانية كان البحّارة يصنعون أمجادهم في المحيط والهند والشرق الإفريقي. اسمان يتجاوران في الخريطة اللغوية، ويلتقيان اليوم في الخريطة السياسية حين يجلس رئيس لبنان في ضيافة عُمان، وتُفتح الملفات على اتساعها: اقتصاد، وسياحة، واستثمار، وتعاون اجتماعي، ورؤية مستقبلية هادئة تتقدمها عُمان بخطوات موزونة.

هذه الزيارة تأتي في وقتٍ يحتاج فيه البلدان إلى جسور جديدة: لبنان الباحث عن فسحة في أفق مضطرب، وعُمان التي تعوّدت أن تجعل من الدبلوماسية نافذةً للسلام والتوازن. والمشهد هنا ليس بعيدًا عن ذاك التاريخ البحري الذي يروي أن الحضارات التي تنشأ على الساحل تعرف جيدًا كيف تبني تواصلًا طويل الأمد.

اقتصادياً، يمكن لعُمان ولبنان – المدن الساحلية ذات القصص العريقة – أن يخلقا مساحات للتعاون في الاستثمار السياحي، والمشاريع الإبداعية، والصناعات الحرفية المشتركة. وصناعياً، يفتح الميناء أبوابه لمزيد من الشراكات، حيث يتحول البحر إلى منصة للتبادل والتلاقي.

أما سياحياً، فالمشهد أكبر من فندق ورحلة؛ إنه تاريخ يُروى: من شراع فينيقي بدأ من صور اللبنانية، إلى شراع عُماني حملته الرياح الموسمية من صور إلى زنجبار والهند والصين. زيارة اليوم تمنح المدينتين فرصة لتحويل هذا التاريخ المشترك إلى مسار سياحي وثقافي يُسَوَّق عالميًا تحت عنوان: “من صور إلى صور.. ومن المتوسط إلى المحيط”.

واجتماعياً، تتشابه الحكايتان: شعبان يعرفان معنى الحنين، ومعنى بناء الحياة رغم الظروف، ومعنى أن يكون البحر مدرسةً للتواضع والثبات. وفي السياسة، تثبت عُمان مرة أخرى أن يدها ممدودة للجميع، وأنها تستقبل العالم بلا ضجيج وبلا شروط، بثبات دولةٍ تعرف وزنها، وتعرف أن الحوار – مثل البحر – لا يتوقف.

زيارة رئيس لبنان إلى عُمان ليست مجرد صفحة في جدول العلاقات الثنائية؛ هي فصلٌ جديد يكتبه البلدان على مهل، ويؤسس لمرحلة تحوّل فيها التاريخ المشترك إلى مشاريع واقعية، ويتحوّل البحر إلى جسر سياسي واقتصادي، وتتحول الذاكرة إلى رؤية مستقبلية تتناغم فيها سياحة المكان مع سياحة الإنسان.

وحين يغادر الضيف اللبناني مسقط، سيجد كل قارئٍ في هذه الزيارة معنى واضحا: أن التاريخ حين يلتقي بالسياسة، يصنع فرصة.. وحين تلتقي صُور وصُوَر، يعود البحر ليرسم خطوطه من جديد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*